كيف غيرت ياهو ! العالم

في صفقة تاريخية تم الإعلان عن بيع ياهو! إلى شركة الاتصالات اللاسلكية في الولايات المتحدة مقابل 4.8 مليار دولار. شركة ياهو! ساهمت في تطور الانترنت وعمليات البحث على الانترنت، ولو أنها لم تنجح في الوصول إلى المستوى الذي حققته شركة Google، غير أنها من أكبر المنافسين لمحرك البحث في العالم.

الانطلاقة: صديقين يتبادلان الروابط الممتعة

انطلق ياهو مع التقاء جيري يانغ وديفيد فيلو خلال دراستهما في جامعة ستانفورد في أمريكا. وقد عمل كلاهما على دراسة حول أتمتة  برامج التصميم غير أنهما لم يكرسا انتباههما لهذه الدراسة، بل انصب اهتمامهما على شبكة الانترنت التي كانت قد بدأت بالانتشار مع برامج التصفح التي كانت تسمح بالإطلاع على العدد المحدود لمواقع الانترنت التي كانت متاحة في ذلك الوقت. ولكن المواقع الجديدة بدأت بالظهور مع مرور كل يوم، وكانوا يحاولون العثور على الأخبار وتصنيفها خلال تصفح الانترنت. بدأ الصديقان بجمع روابط الانترنت التي يفضلونها وتبادلها مع بعضهما البعض، وقاموا بوضعها ضمن لائحة خلال منافستهما للعثور على أفضل موقع لليوم. لدمج اللائحتين معاً قام الزميلان بتطوير برنامج قادر على القيام بذلك.

الأمور أصبحت أكثر تعقيداً مع نمو الانترنت، وارتباط حاسوب الطالبين بنظام الجامعة، فقد أصبح بإمكان جميع الطلاب الوصول إلى اللائحة التي أطلق عليها اسم دليل جيري للشبكة العالمية. ومع تحول هذا الدليل إلى موضوع يتناقله الطلاب بدأ الغرباء يرسلون مقترحاتهم لمواقع الانترنت الجديرة بالانضمام إلى اللائحة. للحفاظ على الأمور في نصابها، قام الشريكان بتصنيف اللائحة ضمن أبواب مختلفة، مثل الترفيه، الموسيقى، الأفلام الموسيقية، والمواقع التي تعرضها. بعد فترة قام الفريق بتطوير برنامج خاص يقوم بالبحث عبر مواقع الانترنت الجديدة، ولكن إضافة المواقع كانت تتم فقط من خلالهما.

تحولت اللائحة إلى هوس بدأ يشغل معظم وقتهما، وكانا يجلسان لساعات يدخلان المواقع الجديدة كنوع من التسلية والإلهاء عن دراستهما.

تحول الهواية إلى مشروع ناشئ

مع حلول العام 1994، جمع يانغ وفيلو أكثر من 2000 موقع عبر الانترنت. وكان أكثر ما يثير الاستغراب أن الموقع كان يحصل على ما يزيد عن 50 ألف بحث يومياً. وكان النمو في شبكة الانترنت يساهم في نمو شهرة دليل جيري. وما بدأ كهواية تحول إلى مشروع يستهلك كامل وقتهما. عندها قرر الفريق اختيار اسم أفضل لمشروعهما، عندها ولد اسم Yahoo!، الذي كان يعمل على خادم جامعة ستانفورد.

مع نهاية العام 1994، قام Netscape بإطلاق متصفح للانترنت، وقرر اعتماد ياهو! كرابط افتراضي، ووضعه في قائمة الإختيارات الخاصة بالمتصفح. وبالتالي بدأ جميع مستخدمي المتصفح باعتماد ياهو للقيام بأبحاثهم. وفي نهاية هذا العام، وصل عدد الزيارات في ياهو إلى مليون زائر.

في يناير من العام 1995 تم تسجيل الموقع الرسمي Yahoo.com، وقد تحول إلى دليل يشمل 1000 موقع وحوالي 100 ألف زائر يومياً. عندها طلبت ستانفورد من الطالبين العثور على خادم جديد لاستضافة خدمتهما، بعد أن عجز الخادم في الجامعة عن تحمل هذه البيانات.  لحسن الحظ، كانت عدد من الشركات مهتمة بالاستثمار في ياهو لتحويله إلى واجهة استهلاكية للانترنت. وقد اجتمع الشريكان مع كل من رويترز، ام سي اي، مايكروسوقت، سي نت، وNetScape للتوصل إلى شراكة. وخلال سعيه لبناء العلاقات قام مارك أنديسين بمساعدتهما على حل مشكل استضافة البيانات بشكل مؤقت على أحد خوادم نيتسكيب، ما ساعدهما على الانتقال إلى خارج جامعة ستانفورد ونحو عالم الأعمال.

إقناع المستثمرين بالاستثمار في عالم الإنترنت

ولكن الحصول على المال من خدمة البحث لم يكن سهلاً، خصوصاً وأن المستثمرين في ذلك الوقت لم يفهموا بعد المغزى من محرك البحث المجاني. أثارت الفكرة اهتمام إحدى الشركات التي استثمرت في العديد من المشاريع التكنولوجية مثل ابل، اتاري، سيسكو، وغيرها. شركة Sequoia Capital كانت تريد أن تنتقل للاستثمار في الانترنت، وقد نجح الشريكان في إقناع مديرها العام موريتز.

قررت سيكويا الاستثمار في شركة ياهو! والحفاظ على الخدمة مجانية، فيما راهنت على الإعلانات لتحقيق الأرباح، متبعة نفس النهج الذي اتبعته مع محطات التلفاز والراديو. وفي شهر أبريل من العام 1995، استثمرت سيكويا مليون دولار، مقابل ربع شركة ياهو. ومع حلول العام 1999 دولار، وصلت قيمة هذا الاستثمار إلى 8 مليار دولار. وفي ذروة نجاح ياهو، تم تقدير ربع قيمة الشركة بـ 30 مليار دولار. انتقلت الشركة إلى مكاتب حقيقية، وتم توظيف عدد من المهندسين لمساعدة الشريكان في إعداد خوادم وتكنولوجيات خاصة بـ ياهو. كما انضم عدد من المختصين الماليين لمساعدة الشركة في تنظيم أوضاعها المالية، كما تم تعيين شخص أكثر خبرة كرئيس تنفيذي للشركة، وهو تيم كوغل، فيما أصبح يانغ رئيس ياهو، وكرس فيلو نفسه للجانب التكنولوجي.

أصبحت ياهو شركة تضم حوالي 50 موظفاً يعملون على بناء خدمة البحث ويقومون بإضافة آلاف المواقع يومياً.. في ذلك الوقت كان ياهو عملاً يدوياً ولم يتحول إلى محرك بحث بعد.

أول علامة تجارية عبر الانترنت

بدأت المنافسة بالاحتدام، مع ظهور عدد من الخدمات المماثلة مثل AOL، ولكن ياهو كانت تتمتع بالأسبقية وولاء المستخدمين. وقد قررت الشركة أن تبني علامتها التجارية لتتمكن من الحفاظ على هذا الولاء.  في مطلع شهر يونيو من العام 1995 أعلن يانغ أن ياهو ستصبح أول علامة رائعة عبر الانترنت، وخلال بناءها لعلامتها التجارية كانت ياهو أول شركة على الانترنت تقوم بالإعلان لخدماتها عبر التلفاز والراديو. وقد أصبح الموقع أحد الأسماء الأكثر انتشاراً، وقد أصبح شعارها الأرجواني في كل مكان من الملاعب الرياضية إلى اللوحات المتواجدة على الطرقات وحتى القمصان. مع حلول العام 1998، أصبحت ياهو أكثر شهرة من المواقع المنافسة وحتى أكثر من شركة مايكروسوفت. من ناحية أخرى، ساهم التحول إلى علامة تجارية في السماح لـ ياهو بتحويل خدمتها إلى منتج يمكن حمايته. منذ اللحظة الأولى، كانت ياهو عازمة على بناء صورتها كمنفذ إعلامي وليس كشركة تكنولوجية.

في الدورة الثانية لجمع التمويل، كانت علامة ياهو أكثر جاذبية بالنسبة للمستثمرين من أمثال رويترز، زيف دايفس وسوفت بنك، وقد تمكنت الشركة من جمع 40 مليون دولار هذه المرة. وقد كان هذا المبلغ هائلاً، نظراً لأن الشركة قدرت قيمتها قبل 8 أشهر بـ 4 مليون دولار فقط، بعد عدة أشهر استثمر سوفت بنك حوالي 100 مليون دولار إضافية.

طرح الأسهم في وول ستريت

في العام 1996، وصل عدد المستخدمين في ياهو إلى 6 مليون زائر يوميا، فيما بدأت الشركات المرتكزة على الانترنت بإدراج نفسها في سوق المال في وول ستريت، وأخيراً قررت ياهو! أن لا تبقى خارج السرب. تم الطرح الأولي لأسهم ياهو في 12 أبريل، وقد قامت ببيع 2.6 مليون سهم، عند 13 دولار للسهم الواحد بداية، ولكن عند التداول الأول وصل سعر السهم إلى 24.50 دولار، وخلال اليوم الأول بلغ سعر السهم عند الذروة 43 دولار، ليعود مع نهاية اليوم ليستقر عند 33 دولار. هذا السعر كان أفضل بـ 154 مرة من السعر المعروض، وكان أفضل من السعر الذي حققته Netscape عند 105 بالمئة، وقد كانت أول شركة انترنت يتم ادراجها في سوق الأسهم في نيويورك. وقد ارتفعت القيمة السوقية لياهو إلى 850 مليون دولار.

الحصول على العائد المادي

على الرغم من النتائج الإيجابية كان أمام ياهو مشكلة صغيرة، فعوائد الشركة لم تتجاوز 4 مليون دولار، غير أن المستثمرين كانوا على الاستعداد لضخ أموالهم في شركات الإنترنت في حال أثبتت قدرتها على تحقيق النمو في الأرباح. الحل الأول كان الحصول على المزيد من الإعلانات، وقد بدأت بالظهور على الموقع في شهر أغسطس من العام 1995. وقد كانت شركة ياهو واحدة من الشركات الرائدة في بناء نموذج عمل الإعلانات عبر الانترنت والذي اتبعته الآلاف من المواقع والشركات في السنوات المقبلة. تمكنت الشركة من الحصول على أكثر من 80 صفقة رعاية في أقل من 6 أشهر. وقد نما عدد الإعلانات مع نمو عدد الزيارات إلى الموقع، حتى جمع ياهو أكثر من 550 معلن مع الربع الرابع من العام 1996، ما مكنها من تحقيق نمو مذهل في العوائد بلغ 1300 بالمئة، إلى 19.7 مليون دولار خلال العام 1996.  في نفس العام، وصل عدد الزيارات إلى الموقع إلى 14 مليون زائر في اليوم.

الريادة في ثورة الانترنت

مع انطلاق ثورة الانترنت، بدأت شركة الانترنت تتنافس فيما بينها للحصول على مواقع للإعلان على ياهو، ومن بينها امازون، وشركات التجارة الإلكترونية التي وقعت صفقات بالملايين لإضافة إشاراتها الخاصة على ياهو! ولم يقتصر الأمر على شركات التجزئة، فعندما قررت ياهو إضافة خدمات الأخبار، حالة الطقس وأسعار الأسهم، وجدت الشركات الإعلامية مهتمة في الشراكة معها لتوفير المحتوى مقابل حصة من الإعلانات.

مع حلول العام 1997 بلغت قيمة سوق الإعلانات عبر الإنترنت حوالي 1 مليار دولار، وتقدر حصة ياهو! من إجمالي السوق بـ 7.5 بالمئة مع أكثر من 1700 شركة معلنة، و65 زائر يومياً، ما أدى إلى زيادة الأرباح بمعدل 257 بالمئة، وبلغت العوائد 70.4 مليون دولار. وقد ارتفعت أسهم الشركة بمعدل 511 بالمئة خلال هذه السنة، فيما بلغت قيمتها في السوق 4 مليار دولار، فيما تضاعف عدد الموظفين إلى 400 موظف.

التوسع الجغرافي والخدماتي

استمرت ياهو بالتوسع نحو أسواق آسيا واوروبا. وبدات بتغير نظرتها إلى أعمالها، فبعد أن أصبحت الإعلانات جزءًا مهماً من نمو الشركة، كان على ياهو أن تحافظ على المستخدمين عوضاً عن إرسالهم إلى المواقع الأخرى، وبدأت ببناء العديد من الخدمات الإضافية، مثل الأخبار، الأبراج، نتائج الرياضة، ومواقع للمجتمعات المحلية. كما حاولت الشركة التنويع نحو خدمات تلفزيونية وخدمات التواصل وطبعاً البريد الإلكتروني. مع هذا التوسع بدأت الشركات الأخرى باعتماد نهج مماثل لتوسيع خدماتها، والتسابق لشراء الشركات الناشئة التي تقدم كل ما هو جديد.

هذا ما قامت به ياهو التي قامت بشراء خدمة البريد الإلكتروني مقابل 94 مليون دولار، كما أطلقت خدمة التسوق، وخدمة الشحن، أما أكبر استثماراتها فكان في موقع Broadcast.com، مقابل 5.7 مليار دولار، في محاولة لبناء موقع مماثل لموقع Youtube.

في العام 2000، كانت ياهو واحدة من أقوى الشركات على الانترنت، وقد تضاعفت أسعار الأسهم إلى أعلى مستوى لها في مطلع هذا العام عند 118.75 دولار للسهم.

انتهاء فورة الانترنت

مع تراجع الفورة في عالم الانترنت تراجعت أرباح ياهو، ووصل سعر الأسهم في سبتمبر من العام 2001 إلى أدنى مستوى له عند 8.11 دولار.  بينما كانت مواقع التواصل الإجتماعي مثل فيسبوك تنتشر بشكل سريع بين مستخدمي الانترنت. من الناحية الأخرى كانت شركة Google تستمر بالنموة مع إطلاق البريد الإلكتروني وخدمات المحادثة الصوتية. وقد حاولت ياهو الاستمرار في المنافسة مع اطلاق خدمات الموسيقى والصور وخدمة التدوين والتواصل الإجتماعي وغيرها، عبر المزيد من عمليات الاستحواذ.

بين عامي 2005 و2007 بدأت المحادثات بين مايكروسوفت وياهو لمحاولة دمج الشركتين، حيث حاولت مايكروسوفت الاستحواذ على ياهو مقابل 44.6 مليار دولار، لم تجد ياهو العرض مناسباً، وباشرت في محادثات جديدة مع شركة Google. في العام 2008 رفضت ياهو العرض الذي قدمته شركة مايكروسوفت، وفضلت الدخول في تحالف في البحث مع شركة Google.

الأزمة المالية

على الرغم من محاولاتها للاستمرار في النمو، في شهر يناير من العام 2008، ومع بداية الأزمة المالية، أعلنت ياهو عن تسريح 1000 موظف من الشركة، ما يمثل 7 بالمئة من القوة العاملة في الشركة. في الشهر التالي استحوذت على مشغل للفيديو وإعلانات الفيديو  في محاولة جديدة للركوب في قطار الفيديو. لم تتحسن الأوضاع، واضطرت الشركة إلى تسريح 1520 موظف جديد في السنة نفسها، كما استقال يانغ من منصب الرئيس التنفيذي للشركة.

مع نهاية العام 2008 انخفضت قيمة الأسهم بشكل أكبر إلى 8.94 دولار للسهم الواحد. مرة أخرى عرضت مايكروسوت شراء خدمات البحث مقابل 20 مليار دولار، وبدل ذلك تم توقيع اتفاقية تسمح لمايكروسوفت باستخدام قاعدة بيانات البحث على محرك البحث الخاص بها.

في العام 2012، وبعد تبديل عدد من الرؤساء التنفيذيين، أعلنت ياهو عن الاستغناء عن 20 ألف وظيف، أو حوالي 14 بالمئة من الموظفين، في سعي منها لتوفير حوالي 375 مليون دولار سنوياً. كذلك قام الرئيس التنفيذي بإعادة هيكلة الشركة وتوزيع أعمالها إلى 3 أقسام هي المستهلك التي تتضمن القسم الإعلامي، الاتصالات والتسويق، المناطق والتي تضمنت أمريكا، أوروبا والشرق الأوسط وعملاءها هم المعلنون، وقسم التكنولوجيا، الذي يوفر الدعم للقسمين الآخرين.

في العام 2012، تم تعيين ماريسا ماير، رئيسة تنفيذية لياهو. وقامت الشركة في العام 2013 بشراء Tumblr في محاولة جديدة للدخول إلى عالم التواصل الإجتماعي مقابل 1.1 مليار دولار، كما حاولت الاستثمار في مواقع جديدة للفيديو. وفي العام 2013، أطلقت ياهو! حملة 30 يوم من التغير، حيث قامت بالإعلان عن شعارها الجديد، وخلال هذا الشهر تمكنت للمرة الأولى من التفوق في عدد الزيارات على شركة Google منذ العام 2011.

 بيع ياهو!

في العام 2016، قررت شركة ياهو بيع أصل أعمالها مقابل 4.8 مليار دولار لشركة فيرايزون التي استحوذت أيضاً على شركة AOL. بعد الاستحواذ، سيقى لحملة الأسهم استثمارات بقيمة 41 مليار دولار في شركة التجارة الالكترونية الصينية Alibaba، بالإضافة إلى ياهو اليابان، ومجموعة صغيرة من براءات الإختراع.

ماريسا ماير، التي ستغادر منصبها كرئيسة تنفيذية قامت بإرسال رسالة إلى الموظفين بعد الإعلان عن الاستحواذ، قالت فيها أن عملية الاستحواذ ستقدم فرص ضخمة لتحويل ياهو. معتبرة أن ياهو هي شركة غيرت العالم، وقامت بإضافة العنصر الإنساني على الانترنت، البريد الإلكتروني، البحث، الإعلام وغيرها.



شاركوا في النقاش
المحرر: Bassema Demashkia