ما وراء رأس المال: عرض الشراكة للاستثمار العابر للحدود إلى داخل الفلبين

أسهم النمو القوي الذي شهدته الأعوام القليلة الماضية في تعزيز ربحية الشركات الكبرى ذات الأوراق المالية الممتازة في الفلبين. وقد ازدهرت الشركات العائلية والتكتّلات المضبوطة بشكل جيّد معتمدةً على الإنفاق القوي الذي تشهده السوق الاستهلاكية التي تضم أكثر من 100 مليون مستهلك، والمدفوعة بالتحويلات المالية، والاستعانة بمصادر خارجية لمباشرة الأعمال التجارية وتوسّع النمو الاقتصادي وصولاً إلى معدلات انتشار تتجاوز المناطق الحضرية التقليدية.

إقرأ أيضاً:منصة خدمات جديدة لبيانات الشركات

وفي ظل تخفيف القيود على السياسات النقدية، تواصل الشركات الفلبينية مسيرتها نحو التوسع والنمو مدعومةً بالسيولة المحلية. وتستمر هذه الشركات، مدفوعة بالأرباح المستبقاة وقدرتها على الوصول إلى رأس المال، في تعزيز موقعها في السوق، كما تسعى بفعالية لاغتنام فرص التوسع على الصعيد العالمي، لا سيّما في منطقة جنوب شرق آسيا.

ومع تطور مشهد الأعمال في البلاد ليكتسي بصبغة أكثر عالمية ورقمية وقائمة على المعرفة، أدركت الشركات في الفلبين بأنّ التأقلم مع هذه النقلة سيتطلب منهم التحلّي بقدر أكبر من المرونة والابتكار، لكي يكونوا قادرين على المنافسة بنجاح على المستويين الوطني والعالمي. ومن شأن هذا أن يُتيح للمستثمرين الخليجيين فرصة لا تضاهى، لا سيّما للاستفادة من المشهد الاقتصادي المتغيّر.

وفي ظل تحوّل آسيا إلى ملاذ آمن ناشئ للاستثمار الأجنبي المباشر، تواجه الفلبين منافسة إيجابية مع غيرها من الدول المجاورة مثل فيتنام وإندونيسيا، اللتان تحظيان بقدرة أكبر بكثير على جذب الاستثمارات، وفقاً لتقرير البنك الدولي عن ممارس الأعمال التجارية، حيث تأتي الفلبين في المرتبة 124 بين 190 دولة.

إقرأ أيضاً:هكذا يعزز مصرف دوتشيه بنك تحوله نحو الرقمنة!

وإدراكاً منه للتحديات التي يواجهها المستثمرون الأجانب، وضع الرئيس رودريغو دوتيرتي قضية ’سهولة ممارسة الأعمال التجارية‘ على رأس أولوياته؛ إذ عرض وضع سياسات ولوائح تنظيمية محلية قوية لتعزيز تنافسية المشاريع والقطاعات الجديدة.

ومع ذلك، وكحال أيّ من الاقتصادات الناشئة، فإنّ بلورة التحسينات الكبيرة ستستغرق بعضاً من الوقت. وبالتالي يستطيع المستثمرون الخليجيون المهتمين باغتنام الفرص في الفلبين الاستفادة من إمكانية التعاون مع شريك فلبيني، إذ بإمكانه مساعدتهم على التعامل مع المخاطر والتحديات التي تشوب عملية تحديد واغتنام الفرص الاستثمارية وخلق التآزرات الناجحة بين البلدين.

وفي حين لا يُعتبر المستثمرون الخليجيون من الوجوه الجديدة كلياً على الفلبين، لا سيّما وأنّ شركتا ’آرامكو‘ و’المملكة القابضة‘ من المملكة العربية السعودية استثمرتا في البلاد مرة من قبل، فضلاً عن تشغيل شركة ’موانئ دبي العالمية‘ لواحد من أضخم الموانئ في مانيلا، فإنّ إمكانية التعاون المعززة ستكون أكثر جاذبية هذه المرة نظراً لما قد يحمله المستثمرون الخليجيون في جُعبتهم.

وتتّضح هذه المقاربة بشكل أفضل من خلال قصتي نجاح وجيهتين نشأتا من هذه المنطقة بالتحديد.

إقرأ أيضاً:شركات إقليمية تجتمع لإطلاق مجلس التنوّع لمنطقة الشرق الأوسط!

تتمثل القصة الأولى في شركة ’طيران الإمارات‘، والتي وضّحها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، على نحو رائع في الفصل السابع والثلاثين من كتابه ’قصتي‘.

إذ قال سموّه: “كان أمامنا ستة أشهر لإطلاق الخطوط الجوية الجديدة. استأجرنا طائرتين من الخطوط الجوية الباكستانية، وأعدنا تجهيزهما بالكامل بما يتوافق مع شعار الشركة الجديدة، ومعايير خدمتها الداخلية. وطلب مني فريق العمل منحه امتيازات خاصة لحماية شركة الطيران من المنافسة، ولكنّي أطلعتهم على قراري بوجوب الاستمرار في تطبيق سياسة الأجواء المفتوحة. اليوم ’طيران الإمارات‘ لديها الكثير من الجوائز العالمية كأفضل ناقل جوي، ولديها تاريخ من الأرباح المتواصلة على مدى 30 عاماً”.

بينما تتمحور القصة الثانية حول الاستثمار الذي قامت به “مجموعة أبوظبي المتحدة للتنمية والاستثمار” في نادي ’مانشستر سيتي‘ لكرة القدم، حيث استحوذ صاحب السمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان على هذا النادي الذي اتسم بإمكانيات متواضعة آنذاك. وفي ظل رئاسة رئيس مجلس الإدارة صاحب السمو خلدون المبارك، نجح الاستثمار الذي قامت به المجموعة في تحويل النادي إلى بطل متعدد الألقاب خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، وذلك من خلال رؤية المجموعة الرامية إلى إعداد الفريق الصحيح وتشجيعه على تبني عقلية الانتصار.

وتُشكّل القصتان أمثلة ساطعة حول قدرة القيادات المُلهمة في منطقة الخليج على الوصول إلى نتائج من الطراز العالمي من خلال منافستها مع الأفضل ضمن أسواقها وعلى صعيد العالم ككل على حد سواء.

وبغية تحقيق هذه النتائج، لم يكتفي قادة الخليج بمجرد استثمار رؤوس الأموال لبلورة رؤيتهم حول مفهوم النجاح. بل تمثّلت القوة الدافعة الرئيسية الكامنة وراء هذه النتائج في انتهاج مقاربة تدمج عوامل أخرى تتجاوز مجرد الاستعانة برأس المال، كالعلاقات والكفاءات.

إقرأ أيضاً:أهمية الأمن لطابعاتك وبياناتك

قامت المؤسسات في الخليج، على امتداد العقود الخمسة المنصرمة، ببناء سُمعتها كجهة تتمتع بأكثر من مجرد رأس المال، إذ باتت حلقة وصل رئيسية تربط بين الفرص العالمية من الشرق والغرب، الأمر الذي أفضى عن تحقيقها لهذا القدر من النجاح المستدام.

وإلى جانب رأس المال، لعبت عوامل مثل بناء وتوطين الكفاءات دوراً كبيراً في تحقيق التميّز طويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط. إذ استطاعت المؤسسات في منطقة الخليج أن تأتي بأفضل العناصر ضمن فئاتها من جميع أنحاء العالم لإنشاء قاعدة لا تضاهى من الكفاءات، سواءً من الأفراد أو العقليات أو الفلسفات أو طرق العمل.

وأمّا فيما يتعلق بالشركات الفلبينية الراغبة بالارتقاء على الصعيد العالمي، يُعتبر الحصول على مستثمر يتخذ من الخليج مقراً له عرضاً مغرياً من حيث القيمة، وخصوصاً مع اعتماد المقاربة التي تقوم على رأس المال والعلاقات والكفاءات. وبمقدور الشركات الفلبينية التي تحظى بشريك استثماري مناسب أن تزدهر وتشهد تحولاً نحو المعايير العالمية. وفي ظل استمرار تطور مشهد الأعمال في الفلبين، يُمكن استشراف العديد من الفرص الهامة أمام المستثمرين الخليجيين للمشاركة والتعاون مع الجهات المحلية الرائدة.

بقلم مارك بي. سيرانو، المؤسس والعضو المنتدب لشركة ’ماليا برايم‘ الاستشارية


الأوسمة

شاركوا في النقاش
المحرر: Julie Majdalani