ماهو مستقبل مشاريع الطاقة المرتبطة بالنفط والفحم الحجري؟

كتب ديتر فيرموث رئيس قسم أبحاث الاقتصاديات الكلية في شركة فيرموث لإدارة الأصول لـ “صانعو الحدث” عن تحذيرات المستثمرين من المخاطر التي تحدق بقطاع البنوك وكذلك الاستثمار في مشاريع مرتبطة بالنفط و الفحم الحجري:

تواجه اثنتين من الصناعات الحيوية الهامة في العالم تحديات غير متوقعة: البنوك والفحم الحجري. يتمثل التحدي الأول في قطاع البنوك الذي واجه ضغوطات كبيرة منذ ظهور الأزمة المالية العالمية في العام 2008، حيث فشلت البنوك في ادخال التعديلات الضرورية على أنظمتها والتي ماتزال مؤثرة على الاقتصاديات العالمية. في حين تعرّض الفحم الحجري لصفعةٍ قاسية نتيجةً للتدني الكبير في أسعار النفط وازدياد الطلب على حلول الطاقة البديلة في عمليات الإنتاج.

وتراجعت هوامش الفائدة في البنوك نظراً لانكماش عائدات الأصول بشكل أسرع من تكاليف التمويل. ومع استمرار حالة التقلبات الاقتصادية، تراجعت أيضاً إيرادات الأصول في ميزانية البنوك وأثّر النمو المنخفض للإنتاجية سلباً على معدلات الفائدة الحقيقية. وبمقارنتها مع الظروف السائدة قبل ظهور الأزمة المالية في العام 2008، تراجعت هوامش الفائدة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى النصف أو أقل وبذلك جفّ المصدر الأكبر لإيرادات البنوك. وتخسر البنوك اليوم المزيد من فرص الأعمال مع ما تقدمه الجهات الجديدة من خدماتٍ إلكترونية مبتكرة إلى مختلف العملاء. وتأتي هذه التطورات لتدفع بالبنوك نحو تخفيض النفقات الإضافية وتقليل طاقم العمل وإغلاق الفروع والاندماج مع البنوك المنافسة أو حتى بيع الأصول التي لا تعود عليهم بربحية مرضية. أما الدول الغنية التي طالما شهدت زيادة في عدد البنوك على مر السنوات الماضية، فيبدو وأنها ستحافظ على حالتها هذه خلال الفترة الراهنة.

ولم يكن وضع الطاقة في العالم أفضل حالاً من التدهور الكبير في قطاع البنوك. فقد شهدت أسعار النفط انخفاضاً حاداً من 115 دولار في منتصف العام 2014 إلى 48 دولار حالياً. واتضح للجميع أن التوقعات التقليدية كانت على خطأ: مع تناقص كميات “الذهب الأسود” في العالم فلا شك أن أسعاره ستقفز نحو الأعلى. وكان الوضع مختلفاً على أرض الواقع؛ فقد شهدت كميات الإنتاج زيادة أو تراجع في كل عام. أما تزويد النفط، فقد خضع لسيطرة الاقتصاديات المنتجة للنفط مثل السعودية بهدف مواجهة التحديات الكبيرة في اكتشاف واستخراج النفط. وبالحديث عن مستويات الطلب، سيطرت الدول التي سجلت نسب نمو ثابتة في الناتج المحلي الإجمالي على نسب الاستهلاك والطلب. ومع انخفاض نسب استهلاك النفط، تزداد كميات النفط المتوفرة في الأسواق ولا يتوقع حدوث أي نقص في كميات التوريد.

ومن وجهة النظر الاقتصادية، لا يوجد أي نقص في المنتجات النفطية. فخلال السنوات الحالية، شهد الناتج المحلي الإجمالي في مختلف دول العالم زيادة سنوية بمقدار 3 بالمئة في حين سجل إنتاج النفط زيادة تُقدر بحوالي 1 بالمئة فقط. ويمكننا القول بأن الطلب على النفط في الدول الغنية لا يسجل اليوم أي حالة ارتفاع أو أنه يرتفع بمقدار ضئيل جداً. وتسجل الاقتصاديات الناشئة اليوم نمواً في نسب استهلاك النفط حيث أن الحياة اليومية في هذه الدول لا تعتمد كثيراً على الطاقة ولاشك أنها ستحاول تعويض ذلك كلما سنحت لها الفرصة لكن نسب استهلاك النفط في هذه الدول لن تصل إلى ذروتها في المستقبل القريب. وربما سنشهد في الفترة القريبة تدهوراً عالمياً يفوق التوقعات في كميات إنتاج النفط ومستويات الطلب عليه نتيجة لعددٍ من التطورات الهامة لعلّ أبرزها يتمثل في: التوجه نحو الاعتماد على موارد الطاقة المتجددة، توصيات مؤتمر المناخ 21 في باريس التي أكدت على وجوب خفض انبعاثات الغازات الناجمة عن احتراق الفحم الحجري في مصانع الطاقة، ارتفاع نسب التلوث إلى مستويات خطيرة مثل الهند والصين في ظل اجماع دولي متزايد يحث هذه الدول على تبني حلول الطاقة المتجددة.

يمكننا القول بكل إيجاز أن زيادة كمية ضخ النفط ومواد الهيدروكربونات الأخرى نتيجة لظهور “الفقاعة الكربونية” بدءاً من العام 2004 وحتى 2014 وتراجع الطلب على النفط، سوف يسهم في انخفاض أسعار النفط. ويبدو أننا سنشهد تراجعاً في اعتمادنا على الفحم الحجري في إنتاج واستهلاك الطاقة. وربما يتوجب على شركات إنتاج النفط ومالكي المصانع والسفن الاحتفاظ بجزء كبير من رأس المال والمخزون الاحتياطي. ومع انخفاض الإيرادات إلى أقل من نصف النسب المحققة خلال العاميين الماضيين، شهدت الأسواق أيضاً تراجعاً في قيمة الفحم الحجري. وطالما أن العديد من هذه الشركات غير راغبة أو غير قادرة على اتخاذ قرار بإعادة الهيكلة، سيواجه المستثمرون في مجال أصول الفحم الحجري خطر تقديم الدعم عديم الفائدة.

برأس مال يصل إلى مليارات الدولارات، تواجه هاتان الصناعتان التي طالما شكلتا في الماضي ركيزة لدعم الاقتصاد العالمي مشكلة كبيرة لم تعهداها خلال السنوات القليلة الماضية. في حين يتطلب قطاع البنوك إجراء إصلاحات هامة لتجنب خطر الانهيار الذي حدث في العام 2008. أما في قطاع الطاقة، فلم يعد الفحم الحجري مادة يمكن التعويل عليها خلال الأمد البعيد. ويبدو أن المستثمرين والحكومات سوف تخضع في النهاية للأمر الواقع.



شاركوا في النقاش
المحرر: saher