كيف يعتبر جذب المواهب و الخبرات كمصدر للنمو الاقتصادي؟

التقت «مجلة صانعو الحدث» كلاً من الدكتور خوسيه كاباليرو، خبير اقتصادي أول لدى المعهد الدولي للتنمية IMD، والبروفيسور أرتورو بريس، مدير مركز التنافسية العالمية التابع لمعهد التنمية الإدارية IMD. وكان لهما التعليق التالي في ما يخص جذب المواهب والخبرات كمصدر للنمو الاقتصادي:

«لا شك في أن الوتيرة الحالية للتغير التكنولوجي ستساهم في النمو الاقتصادي إلا أن بعض الخبراء يشيرون إلى أنه إضافة إلى التكنولوجيا فإن أفضل مؤشر للتنبؤ بالنمو المستقبلي يتمثل في الوصول إلى رأس المال البشري.

في هذا السياق، فقد حولت الحاجة إلى التكنولوجيا الطلب على العمالة، حتى أصبح أكثر تركيزاً على أصحاب المهارات الاستثنائية وذوي الكفاءات والتدريب. وبالتالي، فإن التكنولوجيا تضطر القدرة التنافسية للمؤسسات والاقتصادات أن تكون قادرة على الاستفادة باستمرار من سوق المواهب العالمية ذات المهارات العالية.

اقرأ أيضاً:احذروا من “تبديل الشريحة الهاتفية” لهذه الأسباب!

ما الذي تفعله الدول لجذب المواهب؟ وما الذي يحفز تدفقات المواهب ذات المهارات العالية؟

من حيث المبدأ، وفي عالم تتلاشى فيه الحدود وتنتشر العولمة، فلا بد من أن يكون جذب رأس المال البشري المتنقل سهلاً للغاية. باتت اللغة الإنجليزية هي اللغة العالمية المشتركة، وأصبح السفر والتنقل بين دول العالم أسهل وأكثر سلاسة. أما من الناحية الثقافية، فقد بتنا جميعاً أكثر شبهاً بفضل الشبكات الاجتماعية والاتصالات والتكنولوجيا. واليوم أصبح لدى القوى العاملة، ولا سيما تلك التي تلقت تعليماً عالياً، خيارات أكثر مما اعتادت عليه في السابق.

تقليدياً، فإن العمالة عالية المهارة تنجذب نحو الاقتصادات ذات مستويات الدخل المرتفعة للفرد الواحد. وإذا ما كان النظام الضريبي في تلك الدول يؤيد الأجور العالية، فإن زيادة العائد على الاستثمار في المهارات يزيد من جاذبية تلك الاقتصادات.

إضافة إلى ذلك، فإن توافر الفرص لتسلّق سلم المناصب وإمكانيات التطور المهني يمكن أن يزيد من جاذبية الدول. فعلى سبيل المثال، تنتقل المواهب ذات المهارات العالية إلى الدول التي توفر فرصاً لتعزيز مهاراتها مما يؤدي بدوره إلى وظائف أفضل وأجور أعلى. ومع ذلك، تشير الدلائل المتزايدة إلى وجود عوامل جذب متنوعة تتجاوز الحوافز الاقتصادية.

وكمثال آخر على ذلك: تعتبر الجودة المؤسسية في الدول المضيفة (المستقطبة لتلك المهارات) أحد هذه العوامل. ولعل وجود نظام قانوني فعّال يحمي حقوق الأفراد، يساهم بشكل كبير في جذب المواهب واستبقائها. كما يلعب مستوى تضيق إجراءات وسياسات الهجرة دوراً مهماً في هذا الإطار أيضاً. إذ إن سياسات الهجرة الأكثر تقييداً، قد تكون سبباً في أن يعدل أصحاب المهارات العالية عن السعي للحصول على فرصة عمل في بلد معين. والعكس صحيح أيضاً، فإن السياسات التي تهدف إلى استقطاب العمالة ذات المهارات العالية – القبول الانتقائي القائم على المهارات – التي تسهل من عملية الهجرة للأفراد، تزيد من جاذبية الدول. وإن سياسات القبول الانتقائية تحدد أيضاً إذا ما كان بإمكان الزوج / الزوجة العمل أيضاً أم لا.

علاوة على ما سبق، تشير دراساتنا إلى أن أصحاب الخبرة والمهارات يميلون إلى الانتقال إلى البلدان التي تتحدث بلغتهم الأم، أو على الأقل إلى البلدان التي تتحدث بلغتهم الأم على نطاق واسع حتى وإن لم تكن اللغة الأم لتلك الدولة.

ولقد وجدنا أيضاً أن مستوى انفتاح الدولة أمام قضية استضافة الأجانب ومستوى المعيشة وخيارات الخدمات والترفيه التي تقدمه قد تكون أكثر أهمية من الظروف الاقتصادية. إذ إنه وعلى الرغم من ارتفاع الأجور وجاذبية الأنظمة المالية في اقتصاد دولة معينة، قد تنجذب المواهب ذات المهارات العالية بشكل أكبر نحو دول أخرى تقدم مجموعة خدمات وفعاليات حياتية متنوعة من شأنها أن تساهم في رفع مستوى الرفاهية والرضا بالحياة لدى الأفراد.

ويتبيّن أيضاً بأن السياسات التي تسهل ريادة الأعمال تعتبر أمراً أساسياً. وبعبارة أخرى، فإن المواهب ذات المهارات العالية تنجذب نحو البلدان التي تشجع الابتكار والمخاطرة. تشير الدلائل أيضاً إلى أن مستوى الابتكار التكنولوجي في الدولة المُستقطبة أمر أساسي لجذب المواهب ذات المهارات العالية.

اقرأ ايضاً:خطأ إملائي في الاوراق النقدية من فئة الـ 50 دولاراً أسترالياً

المهارات العالية تشجع ريادة الأعمال والابتكار التكنولوجي

إن البلدان التي تسنّ قوانين وسياسات تشجع وتغذي الابتكار التكنولوجي عادةً ما تجذب المزيد من المواهب. والأهم من ذلك، أن ريادة المشاريع تساهم بشكل كبير على قدرة الدول على الابتكار. لذا فقد ينتج عن التفاعل بين ريادة الأعمال والابتكار التكنولوجي دورة حميدة ومفيدة للدول. فعند انجذاب المهارات العالية إلى الدول التي تشجع ريادة الأعمال والابتكار التكنولوجي، سيكون بإمكان التدفقات المتزايدة للمواهب ذات المهارات العالية تعزيز روح المبادرة وتوليد المزيد من الابتكار التكنولوجي، وهذا بدوره يمكن أن يجذب المزيد من المواهب.

مستقبلاً، ستتمتع الحكومات التي تسنّ سياسات من شأنها جذب المواهب بمزايا اقتصادية تنافسية ناتجة عن الابتكار والنمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، فإن اجتذاب المواهب المتسلّحة بشكل صحيح، يخلق تأثيراً إيجابياً على القوى العاملة المحلية. إذ يصبح الجميع ملزم بالمنافسة وتعزيز المهارات ومستويات التعليم. ولكن كيف يمكن للبلدان أن تعزز مثل هذه السياسات؟ أولاً وقبل كل شيء، عن طريق خلق فرص عمل جديدة من خلال الاستثمار في الصناعات التي هي في طليعة التكنولوجيا. ثانياً، عن طريق تسهيل اندماج المواهب البشرية المهاجرة في الثقافة والمؤسسات المحلية. وأخيراً، عن طريق توفير حوافز ضريبية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، والحقوق المدنية للأجانب».



شاركوا في النقاش
المحرر: Nisrine Mekhael