قطاع السلع وتداعيات الحرب التجاريّة بين الولايات المتحدة والصين

 

بقلم: أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد تغريدة واحدة كانت كفيلة بتعكير الهدوء النسبي الذي شهدته مؤخراً الأسواق المالية العالمية. فبدل التوقعات ببدء أسبوع إيجابي يتخلله التوصّل لصفقة تجاريّة طال انتظارها بين الولايات المتحدة والصين، أكد الرئيس ترامب من خلال تغريدة نشرها عبر حسابه الرسمي على ’تويتر‘ بأنه بصدد رفع نسبة التعرفة الجمركيّة من 10٪ إلى 25٪ على وارداتٍ من السلع الصينية بقيمة 200 مليار دولار.

وقد تم اتخاذ القرار ردّاً على التراجع الواضح من جانب الحكومة الصينيّة عن تأدية معظم الالتزامات والجوانب المُتفق عليها فعلياً في إطار المُباحثات التجارية. وتسببت تلك الخطوة، كما كان متوقعاً، في موجة توتر خيّم أثرها على الأسواق، بالإضافة إلى تراجع الرغبة بالمخاطرة في شتّى القطاعات؛ ولكن الين الياباني والسندات الأمريكية (وهي أحد الملاذات الاستثماريّة الآمنة) كانت من بين الأسواق القليلة التي تلقت دفعةً قوية.

 كما أن تسجيل حيازاتٍ قياسيّة من مراكز التداول القصيرة لعقود VIX المستقبلية الآجلة ضمن ’بورصة شيكاغو لتداول الخيارات‘ (Cboe)- التي تتبع تقلبّات الأسهم كما هو موضح في مؤشر ’ستاندرد آند بورز 500‘- كان له دور كبير في إثارة المخاوف بشأن حدوث انهيارٍ كبير ومفاجئ مثل الذي شهدناه في فبراير 2018.

اقرأ ايضاً:تصاعد الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة!

 ومع استمرار المفاوضات يوم الجمعة رغم الشروع بزيادة التعرفة الجمركية، التزم المعنيّون في السوق بنهج الانتظار والترقّب المُركّز، مُدركين تماماً بأنهم يترقبون مواجهة نتيجةٍ ثنائية قد تؤدّي إلى تأرجح السوق بشكل كبير في اتجاهين مختلفين إما صعوداً أو هبوطاً.

 وأسوةً بمعظم فئات الأصول الأخرى، لم تستجب السلع بشكلٍ جيد للمخاطر المتزايدة حول النمو العالمي، والتي تتجلّى أبرز تأثيراتها بوضوح من خلال الحرب التجارية المستعرة بين الولايات المتحدة والصين؛ حيث بلغ ’مؤشر بلومبرج للسلع‘ أدنى مستوىً له منذ يناير الماضي بعد موجة مبيعات دامت 4 أسابيع. من جهةٍ ثانية، صمد قطاع الطاقة على نحوٍ معقول، وذلك بالتوازي مع رصد موجةٍ من الاضطرابات في المعروض والمخاوف الجيوسياسية، والتي قابلها مخاوف بشأن حجم الطلب والعديد من التعليقات وردود الفعل السلبية من سوق الأسهم.

 وسجّلت المعادن أداءً مُتبايناً مُقابل الذهب الذي تفوّق على معظم المعادن الأخرى رغم انحسار زخمه كملاذٍ آمن. وكانت الفضة من ضمن تلك المعادن المتنافسة؛ حيث بلغت نسبة أوقية الذهب مقابل الفضة (XAU/XAG) أعلى مستوىً لها في 25 عاماً، لتتخطّى بذلك مستوى 87 أونصة من الفضة مُقابل أونصة واحدة من الذهب.

من ناحية أخرى، انخفض ’مؤشر بلومبرج الزراعي‘ بقيادة الحبوب إلى أدنى مستوياته في عدة عقود، وذلك بالتزامن مع مواجهة العديد من المحاصيل الزراعيّة- مثل فول الصويا والقطن- لموجةٍ مثالية من الإمدادات الوفيرة، إلى جانب خطر تراجع الطلب من جانب الصين.

 ويجب أن نتساءل هنا فيما إذا كان الطرف المؤثر في إقرار شروط الصفقة التجارية لصالحه سيستطيع حسم الموقف فيما يخص حُصص الحبوب، وخاصة بعد سلسلة التغريدات الأخيرة للرئيس ترامب الذي أكد في وابل تصريحاته ضد بكين بأن الحكومة الصينيّة قد تعهدت بشراء كميات ضخمة من المنتجات الزراعية الأمريكية.

أمّا معدن البلاديوم الذي تضاعف سعرة تقريباً بين أغسطس وأواخر مارس، فقد خسر المزيد من الزخم نتيجة ضعف مبيعات السيارات وتحول محور المحادثات التجارية بعيداً عن مسألة قلّة المعروض.

 وحافظ النحاس على أدائه الإيجابي نسبياً رغم المخاوف من أن الإخفاق في إبرام صفقة تجارية بين الولايات المتحدة والصين سيُلحق الضرر بالنمو العالمي، وسيقلل الطلب على السلع الأساسية مثل المعادن الصناعية. وقد جاءت ردة الفعل هذه نتيجة التكهنات بأن الحرب التجارية المتصاعدة ستؤدي إلى تطبيق المزيد من سياسات التحفيز في الولايات المتحدة، وكذلك بشكلٍ خاص في الصين التي تُعتبر أكبر مستهلك في العالم.

 في سياقٍ آخر، تراجعت أسعار فول الصويا إلى أدنى مستوىً لها في 10 سنوات، حيث تأثرت هذه السوق مجدداً بتقاطعات وتأثيرات الحرب التجارية، الأمر الذي قد يُعزز الجهود لإيجاد أرضية متينة من أجل موازنة وفرة المعروض. وتأتي هذه المعطيات قبيل إصدار تقرير العرض والطلب الشهري في 10 مايو، وهو ما سيدعم إصدار أول توقعات الإدارة الأمريكية حول حجم المخزون المتبقي من الحبوب لنهاية موسم 2019-2020.

اقرأ ايضاً:سرقة عملة بتكوين بقيمة 41 مليون دولار!

 ووصل صافي أنشطة المُضاربة ضمن مراكز التداول القصيرة للقمح والذرة وفول الصويا إلى مستوىً قياسي جديد خلال الأسبوع المنتهي في يوم 30 أبريل. ومع تسجيل عقودٍ آجلة قصيرة بواقع 539 ألف (عقد واحد لكل 5 آلاف بوشل)، ارتفع عدد العقود ضمن مراكز التداول القصيرة بنحو 488 ألف عقدٍ مقارنةً مع المتوسط الموسمي لأجل 5 سنوات.

 هذا وحاول الذهب إعادة ترسيخ مكانته باعتباره نقطة الدخول المواتية إلى السوق خلال فترات انعدام اليقين، ولكن جهوده لم تحظَ بالنجاح المنشود؛ إذ بالكاد تمكن المعدن الأصفر من حشد عوائد إيجابيّة بينما كان يُكافح في ذات الوقت لتحقيق كسرٍ فوق 1.292 دولار للأوقية، وهو مستوى المقاومة الموضح في الرسم البياني أدناه.

 من جهةٍ ثانية، أخفقت السوق في تعزيز أدائها رغم الإجراءات المثاليّة المُتخذة لدعم صعود الذهب الذي كان يواجه جملةً من المخاطر، ولا سيما تلك المرتبطة بالمخاوف الجيوسياسية وضعف الأسهم وتراجع عائدات السندات. ويُعزى ذلك جزئياً إلى ضعف قيمة اليوان الصيني الذي لطالما ارتبط بدرجةٍ عالية مع الذهب خلال الفترة الماضية.

 وكان الطلب على السندات وأوراق العملة المضمونة بالذهب سلبياً في الغالب حتى الآن، حيث شهدنا هذا العام تراجعاً مستمراً في إجمالي الحيازات ضمن صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب. وركزت صناديق التحوط- التي تُعتبر أكثر حساسية تجاه الأسعار- على مُتابعة أداء السوق وخوض سباقٍ محمومٍ معها خلال هذه الفترة؛ ففي الأسبوع المنتهي يوم 30 أبريل، تم شراء حيازاتٍ من الذهب بواقع 33 ألف حصة، مما يجعله ثاني أكبر أسبوع على صعيد أنشطة الشراء لهذا العام.

وساهمت هذه الخطوة في العودة مجدداً إلى استراتيجيّة مراكز التداول المفتوحة طويلة الأمد، وتسليط الضوء على الصراع المستمر من أجل تحديد الاتجاه المثالي في السوق. ولا شك أن الإخفاق في تحقيق كسرٍ فوق المستوى المذكور أعلاه عند 1،292 دولار/ أوقية سيعزز حالياً خطر اتجاه مراكز التداول طويلة الأجل – التي تم تأسيسها مؤخراً- نحو نقاط الخروج. بالمقابل، فإن حدوث اختراقٍ صعودي، والذي لا يزال الاحتمال المفضل لنا، قد يؤدّي إلى ارتفاع السوق نحو أعلى مستوىً في أبريل عند 1316 دولار/ أوقية، ثم مستوى 1325 دولار/أوقية لاحقاً.

من ناحية أخرى يبدو أنه من شبه المستحيل في المرحلة الراهنة إصدار أي تنبؤات حول حجم مراكز التداول قصيرة الأجل بالنسبة للنفط الخام؛ إذ أن المخاوف الجيوسياسية والعوامل الأساسية الداعمة بشكلٍ متزايد للمعروض يُقابلها من جهة ثانية ضعف في أنشطة التجارة. ولكن في ضوء استمرار المخاوف الجيوسياسية والمخاطر المرتبطة بالمعروض، نعتقد أن فرص تجدد الزخم والأداء ستبقى مكمن الخطر الأكبر في هذا السياق.

 العوامل ذات التأثير المُباشر على النفط الخام:

  • تشديد الأسواق بسبب التخفيض الطوعي وكذلك غير الطوعي للإنتاج والإمداد
    – تلوث خط أنابيب النفط الروسي، مما تسبب بقطع الإمدادات إلى أوروبا
  • – تهديد إيران بوقف مراقبة القيود على تخصيب اليورانيوم
  • – قيام الولايات المتحدة بنقل حاملة طائرات إلى الشرق الأوسط لمواجهة تهديدٍ إيراني وشيك
  • – المعارك حول طرابلس تُغير المخاوف والخطر بشأن الإمدادات من أكثر الدول المنتجة تقلباً في أوبك

العوامل ذات التأثير غير المُباشر على النفط الخام:

– احتمال فشل المحادثات التجاريّة بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما قد يتسبب بتباطؤ الاقتصاد العالمي

– ضعف سوق الأسهم وارتفاع عقود VIX المستقبلية الآجلة، مما قد يقلل الرغبة في المخاطرة بشكلٍ عام

– صناديق التحوط ستقف في الجانب الخطأ إذا ما استمر ضعف الأسعار

ورغم تداعيات الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة والصين، يتجلّى أثر المخاطر المحدقة بالمنحى الصعودي من خلال تراجع شهيّة الصناديق تجاه البيع بحسب آخر تحديثٍ حول أنشطة مراكز المُضاربة خلال الأسبوع المُنتهي في 30 أبريل. فخلال ذلك الأسبوع، واصلت الصناديق شراء خام برنت رغم ضعف حركة السعر في أعقاب محاولة فاشلة لتحقيق كسرٍ فوق مستوى 75 دولار للبرميل.

اقرأ ايضاً:ما هو أكبر سوق مصدّر للسياح والزوار إلى ألمانيا؟

 إلى جانب ذلك، نرصد قلّة في المعروض والإمدادات بالنظر إلى مدى فروق الأسعار (سبريد) المُسجّلة بين عقود خام برنت الفورية وعقود الأشهر المؤجلة؛ حيث سجّل عقد شهر يوليو الآجل علاوةً بقيمة 2.2 دولار أمريكي للبرميل، أو واجه حالة ميلٍ للتراجع نحو المستوى المسجل في أكتوبر، وهو المستوى الأوسع نطاقاً منذ 5 سنوات تقريباً. ويبدو أن ازدياد الميل للتراجع بالتوازي مع انخفاض السعر الفوري يمثل إشارةً قوية على تفاقم مخاوف السوق بشأن قلّة المعروض.

 وعلى المدى القصير، ساهم المتوسط المتحرك لمدة 50 يوم و200 يوم، والذي قدّم هذا الأسبوع إشارة فنيّة للشراء، في توفير الدعم اللازم لإيقاف موجة التصحيح. وخلال الأسبوع المقبل، ستترقب السوق عن كثب التطورات في واشنطن وبكين بحثاً عن أي نتائج موثوقة بخصوص منحى الحرب التجارية؛ كما سنرصد في غضون ذلك أي احتمالات لتسجيل ضعفٍ إضافي قبل أن تعاود الأساسيات المُتشددة التأثير مجدداً على مضامين المشهد.

 

 



شاركوا في النقاش
المحرر: Nisrine Mekhael
nd you ca