التخطيط للمدن المستدامة 
عبر مشاريع دعم النقل الجماعي

بقلم دانا سلباق، مدير أول في قسم البحوث في شركة جيه إل إل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

دبي، «صانعو الحدث»

شهدت المملكة العربية السعودية حركة تطور عمراني سريعة منذ منتصف السبعينات. إذ تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نسبة السكان في المناطق الحضرية السعودية وصلت إلى 58.4% في العام 1975، و86.6% في العام 2001، و91% في العام 2016. وقد أدى الامتداد العمراني الذي أعقب هذه الحقبة إلى تطور المدن وتوسعها بصورة غير مخططة. وفي ضوء رؤية 2030 والهدف الأساسي المتمثل في بناء مدن ذكية ومستدامة، يتصدر التخطيط لمشاريع التنمية الموجهة نحو دعم النقل الجماعي جدول أعمال الحكومة حيث تستلزم هذه المشاريع جهداً واستثماراً من قبل القطاعين العام والخاص.

إقرأ أيضاً:إلهام محفوظ تعرض التحديات التي تواجه القطاع المصرفي في الكويت

ولا شك في أن مدن الرياض والدمام وجدة ومكة قد تحولت إلى عواصم حضرية تميزها مشاريع التنمية الكبرى المنخفضة الكثافة السكانية ذات الاستخدام الواحد، ما أدى إلى التباعد بين المنازل ومنافذ البيع التجارية، واستتبع ذلك محدودية التكامل بين الخدمات وإمكانية «التنقل سيراً على القدمين» داخل تلك المدن، وهو ما نتج عنه آثار سلبية طويلة الأجل على البيئة والموارد الطبيعية ونوعية الحياة بشكل عام.

وعلى الرغم مما سبق، شهد العقد الماضي تحولاً في التخطيط العمراني مع زيادة التركيز على التوسع في مشاريع التنمية الموجهة نحو دعم النقل الجماعي في جميع أرجاء المملكة؛ ويعتمد هذا النوع من المشاريع على زيادة عدد الوحدات السكنية والتجارية ومنافذ الترفيه الواقعة على مقربة من وسائل النقل الجماعي، حيث تستهدف هذه المشاريع زيادة استخدام وسائل النقل الجماعي، ما ينعكس على تقليل معدلات استخدام السيارات، وبالتالي تعزيز النمو المستدام.

وبالرغم من الفوائد الكبيرة التي تحققها مشاريع التنمية الموجهة نحو دعم النقل الجماعي، ثمة الكثير من التحديات التي يجب التغلب عليها ولا سيما إدارة ازدحام الطرق لتحسين الربط بين هذه المشاريع والمناطق المختلفة وتدفق حركة المرور، وتحسين استخدام الأراضي عن طريق بناء مساكن ميسورة وقادرة على استيعاب عدد كبير من السكان مع مراعاة تنوع الوحدات المعروضة.

إقرأ أيضاً:ناصر بن سليمان الناصر يعلن عن اطلاق STC PAY في السعودية


تحسين الربط بين المشاريع والمناطق

عادة ما يقترن نمو المدينة من خلال الامتداد العمراني بزيادة في عدد الأفراد الذين يستخدمون سياراتهم الخاصة، ما يضيف عبئاً وضغطاً على شبكة الطرق ويعيق الربط بين أرجاء المدينة وتدفق حركة المرور فيها. وفي الوقت الذي تأخذ فيه الحكومة بزمام المبادرة لمعالجة تلك التحديات والتغلب عليها، تحظى قضية دعم خدمات النقل الجماعي وتنظيمها وتوفير مستوى جيد من الخدمة ميسورة التكلفة وتشجيع الاستثمارات الخاصة في هذا القطاع بما يتماشى والأهداف الاقتصادية لرؤية 2030 بدور كبير في المساهمة في تقليل الضغوط التي تعانيها شبكات الطرق.

ولتحقيق هذا الهدف، اعتمدت الحكومة السعودية وأطلقت عدداً من مشاريع النقل الجماعي الناجحة. فقد شهد العام 2018 تشغيل قطار الحرمين السريع الذي يربط بين المدينة المنورة ومكة وجدة ويخدم أعداد الحجاج والمعتمرين المتزايدة. ويربط القطار أيضاً مطار جدة ومدينة الملك عبد الله الاقتصادية، التي تعد المحور التجاري للمدينة، ما يسهل رحلات رجال الأعمال ويروج لها.

ومن المنتظر أن يشهد العام 2019 مرحلة التشغيل التجريبي لمترو الرياض البالغ طوله 176 كم وشبكة حافلات موازية للمترو، وبذلك يتوافر أمام الركاب خيارات جديدة للتنقل وتقل مشاكل النقل في المدينة السريعة النمو. إذ من المتوقع، وذلك بحسب مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، أن ينمو عدد سكان الرياض من 7 ملايين نسمة في العام 2018 إلى 8.6 مليون بحلول العام 2030.

إقرأ أيضاً:ما هو تأثير الروبوتات والذكاء الاصطناعي على بيئات العمل؟

تحسين استخدام الأراضي

لا يزال هيكل مشاريع الإسكان يميل إلى حد كبير نحو الفلل المنفصلة 
أو الشقق الفسيحة التي تلبي الحاجات التقليدية للعائلات الكبيرة في المملكة. وفي ظل التغير السريع في التركيبة السكانية والاجتماعية وتزايد الاهتمام بمسألة التكلفة الميسورة، يجب توجيه الجهود نحو الاستخدام الأمثل للأراضي عن طريق تطوير حلول سكنية ميسورة عالية الكثافة مع توفير مزيج متنوع من أنواع الوحدات ومساحاتها ليلبي حاجات السكان الأصغر سناً. وقد بدأت هذه الجهود بالفعل مع إطلاق وزارة الإسكان لمشروع «سكني»، وهو مشروع إسكان يتم في ظله تخصيص وحدات سكنية مبنية بالكامل وقطع أراضٍ سكنية وأموال للمواطنين السعوديين.

وبالرغم من التوقعات التي تشير إلى أن هذه المبادرة ستحدث تغييراً جذرياً في قطاع الإسكان، يجب تشجيع القطاع الخاص على المشاركة بشكل أكبر من خلال توفير  الأراضي بتكلفة هامشية والسماح بزيادة المساحة المبنية من أجل استيعاب قدر أكبر من السكان وتشجيع استخدام تقنيات بناء حديثة  لتقليل التكاليف.

تشهد المملكة العربية السعودية تغيرات واسعة وسريعة منذ أن دخلت رؤية المملكة 2030 مرحلة التنفيذ. وفي ظل محاولة الحكومة التأقلم في الوقت الحالي مع «الطبيعية الجديدة» لأسعار النفط المتقلبة، نرى عدداً متزايداً من المبادرات التي تهدف إلى إنهاء الاعتماد على النفط. وعليه، تركز الحكومة على بناء مدن مستدامة وذكية ومنتجة تضمن رفاهية سكانها. وستؤدي مشاريع التنمية الموجهة نحو دعم النقل الجماعي إلى تسهيل الوصول إلى المناطق المختلفة في المدن وزيادة كفاءة الربط بين الأرجاء المتباعدة للمملكة وفاعليته وتوفير منازل ميسورة للمواطنين في الوقت نفسه.


الأوسمة

شاركوا في النقاش
المحرر: Julie Majdalani