دروس مستقاة من مجموعة أبراج!

بقلم كريستوفر سكيبر، شريك ’وينتسون آند ستراون‘ – دبي

نشرت إحدى الوسائل الإخبارية العالمية مقالاً بعنوان: ’سقوط مدوٍ لأحد أبرز مستثمري دبي‘ – مجموعة أبراج – محذرةً من حدوث “مشكلة في القطاع المالي حديث العهد لدولة الإمارات العربية المتحدة”. وتابعت إحدى الصحف العالمية الشهيرة في ذات السياق، وعلقت بأن مثل هذا السقوط “يسلط الضوء على مخاوف أوسع حيال استثمار الأموال في المنطقة”.

ولا تعتبر المغالاة الصارخة وإطلاق الأحكام العامة أمراً جديداً بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة. ومع ذلك، وبكل أسف، بات تزايد انتشار المقالات الرنانة والعناوين الدولية التي غالباً ما تميل لتجاهل الحقائق الرئيسية بمثابة وضع طبيعي ومقبول.

اقرأ ايضاً:إدارة العقارات جزء رئيسي من المعادلة الناجحة للإستثمار العقاري

وجهة نظر منطقية

لا شك أن انهيار امبراطورية “أبراج”، التي كانت يوماً أحد أبرز شركات الاستثمار في الملكية الخاصة على مستوى الشرق الأوسط، يمثل ضربةً مدمرةً لسوق الملكية الخاصة الإقليمي. ولوضع هذه الحالة الجدلية في المنظور المناسب، لم يمض وقت طويل على إفلاس مصرف ’ليمان براذرز‘ الذي أرسل موجات صادمة عبر زوايا النظام المالي العالمي، مما أدى لظهور تقارير متكررة تتناول المشاكل المالية التي يعاني منها القطاع المصرفي. وقبل ذلك، تصدرت أحداثٌ أخرى كفضيحة ’إنرون‘ وحل شركة ’آرثر أندرسون‘ ومخطط ’بونزي‘ الذي أطلقه بيرني مادوف (على سبيل المثال لا الحصر) أبرز العناوين الرئيسية. ومع ذلك، غالباً ما تعزى هذه الانهيارات الكبيرة إلى حالات الطمع الفردي أو تطرح أسئلة عموميةً حول المشاكل المتأصلة في النظام المالي العالمي. فلماذا إذاً يتم اعتبار انهيار مجموعة “أبراج” على الفور بمثابة مشكلة مؤسسية إقليمية، وليس كفشل فردي؟

مركز دبي المالي العالمي 

يعتبر مركز دبي المالي العالمي (DIFC)، الذي استهلّ عملياته التشغيلية فقط في عام 2004، مركزاً مالياً عالمياً يتمتع بموقع استراتيجي بين الشرق والغرب، ويوفر منصةً آمنةً ومستقرةً تتيح للمؤسسات التجارية والمالية الاستفادة من الأسواق الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.

اقرأ ايضاً:هل ممكن من الاستفادة من الأسباب الناشئة للتغيير المتسارع؟

وبالإضافة إلى ذلك، يتمتع مركز دبي المالي العالمي بإطار عمل قانوني وتنظيمي فريد ومستقل، مع نظام قضائي ناطق باللغة الإنجليزية، موفراً للشركات ميداناً مستقراً ومألوفاً لتسوية المنازعات – بالرغم من وجود تقارير تشير إلى عكس ذلك. وفي الواقع، يواصل مركز دبي المالي العالمي تسجيله لمعدلات نمو قوية، مع وصول إجمالي عدد الشركات المسجلة النشطة لدى المركز إلى أعلى مستوياته على الإطلاق بواقع 2003 شركة مع نهاية شهر يونيو 2018، أي بزيادة قدرها 14% على أساس سنوي من 1,750 شركة خلال ذات الفترة من العام الذي سبقه. ومن بين هذه الشركات، تخضع 600 شركة للإشراف التنظيمي من قبل سلطة دبي للخدمات المالية (DFSA)، بما يشمل شركات محاماة وشركات خدمات مالية.

وتؤكد كل هذه الجوانب حقيقة أن مركز دبي المالي العالمي يمثل موطناً لبعض من أبرز مؤسسات الاستثمار الرائدة في العالم – وجميعها مطالبة بالالتزام بأعلى معايير حوكمة الشركات والشفافية كما هو محدد في اللوائح التنظيمية لـسلطة دبي للخدمات المالية. وكمؤسسة تقدم خدماتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، يواصل مركز دبي المالي العالمي لعب دوره كواحدة من السلطات القضائية الأكثر استقراراً خارج المراكز المالية الرئيسية في لندن ونيويورك وسنغافورة.

اقرأ ايضاً:15 عاماً على انتشار فيسبوك ! 

دروس مستقاة من مجموعة أبراج 

بالنسبة للأسواق المالية، يعتبر مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي بمثابة مؤسسات حديثة العهد نسبياً، ولكن ما حققته المؤسستان منذ بدء عملياتهما عامي 2004 و2013 على التوالي، يكاد يكون غير مسبوق على الإطلاق.

ولطالما تمثلت رؤية مركز دبي المالي العالمي بتوفير منصة آمنة ومستقرة تركز على اعتماد أفضل الممارسات الدولية وتستضيف الشركات العالمية. وعلى هذا النحو، وبالنسبة إلى جهة حديثة العهد في السوق المالي العالمي، يكاد وجود المشككين والمنتقدين أن يكون أمراً حتمياً. وفي العديد من النواحي، يعتبر مركز دبي المالي العالمي هدفاً سهلاً بسبب حجمه الصغير نسبياً.

وتمثلت إحدى القضايا التي أثارتها صحيفة مشهورة عالمياً بالافتقار الواضح لمعايير الحوكمة بين شركات الخليج العربي، مستندةً إلى التصنيف الائتماني الصادر عن وكالة ’ستاندرد آند بورز‘. ودون أدنى شك، كان هنالك تصور للافتقار إلى معايير الحوكمة في المنطقة ولكن مرةً أخرى، في حين لم يتم التغاضي عنها، تعتبر هذه المسألة مفهومةً تماماً بالنظر إلى حداثة عهد السوق.

ومن الواضح أن الحوكمة باتت تمثل قضيةً أساسيةً ومركزيةً بالنسبة للعديد من الشركات الناشطة في المنطقة، وتتخذ الشركات خطوات جادة لضمان وضع الأنظمة الصحيحة قيد التنفيذ. فعلى سبيل المثال، تأسس معهد حوكمة لحوكمة الشركات في عام 2006 بواسطة مجموعة من المؤسسات العالمية مثل “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” و”مؤسسة التمويل الدولية” و”البنك الدولي” ومنظمات إقليمية مثل “اتحاد البنوك العربية” و”مركز دبي المالي العالمي” بهدف المساعدة في سد فجوة حوكمة الشركات في المنطقة، وينشط المعهد منذ ذلك الحين في تحسين مستوى فهم وتطبيق الحوكمة وتوفير البرامج التدريبية في هذا الإطار، مما يعكس رسالةً مفادها أن الارتقاء بالمعايير بصورة استباقية يعزز مستويات الابتكار والفرص وإنشاء القيمة في مجال الأعمال ويساهم ببساطة في وضع استراتيجيات أعمال ناجحة، باعتبار أن المعايير العالية لحوكمة الشركات والنزاهة تمثل محركات رئيسية لتعزيز القدرة التنافسية والاستثمار وتوليد فرص العمل وتحقيق النمو الاقتصادي المستدام.

اقرأ ايضاً:لاغارد تحذر من “عاصفة” اقتصادية محتملة

المستقبل

لقد كان النمو الكبير الذي حققه كل من مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي خلال فترة زمنية قصيرة أمراً رائعاً بحق. ويتمثل هدف المؤسستين في إرساء مكانة دولة الإمارات كمركز مالي عالمي وبوابة نحو الأسواق الناشئة. وفي حين تعتبر التغذية الراجعة البناءة أمراً ضرورياً ومرحباً به، إلا أنه ينبغي أن تتم الإشادة بهذه الجهود المبذولة لا أن تتصدر الساحة العالمية من بوابة الانتقادات غير المتجانسة على خلفية فشل مؤسسة بارزة واحدة.

وإن تمكنت المؤسسات والجهات التنظيمية الخليجية من التعلم من أخطاء “أبراج”، في الوقت الذي تعتمد فيه معايير مرتفعة لحوكمة الشركات والنزاهة، فلن يكون هنالك أي حدود لنموها المحتمل خلال الأعوام الـ 15 القادمة


الأوسمة

شاركوا في النقاش
المحرر: Nisrine Mekhael