خاص: الجزء الأول من الفســــــاد… عــدو الاقـــتـــصـــــــاد

دبي، أسامة الرنة

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن قيمة العائدات غير المشروعة من الفساد والجريمة والتهرب من الضرائب على المستوى العالمي تبلغ ما بين 1،5 إلى 1،8 تريليون دولار سنوياً، وهذا الرقم يعادل ما بين 4 إلى 6 في المئة من مجمل حجم الاقتصاد العالمي.

وكانت منظمة الشفافية الدولية ذكرت في تقريرها عن الفساد العالمي إن الفساد المنهجي في قطاع المشتريات العامة يرفع التكاليف على الدولة بقيمة 20 إلى 25 في المئة ويقلل في الوقت نفسه من نوعية البضائع والخدمات التي يُحصل عليها.

اقرأ ايضاً:قطاع الضيافة الخليجي يكتسب زخماً كبيراً

وذكر تقرير للبنك الدولي عن التنمية في العالم أن أكثر من 300 مليار دولار تتعرض للنهب والفساد في العام العربي كل عام. ورصد البنك الدولي الآثار والتداعيات الناتجة عن عمليات الفساد، ونورد بعضاً منها باختصار، لأهميتها:

يؤثر الفساد في أداء مختلف قطاعات الاقتصاد ويؤثر سلباً في النمو الاقتصادي، لأنه يشكل بيئة طاردة للاستثمارات والمستثمرين ويرفع تكلفة المشاريع، إضافة إلى الآثار الاجتماعية المدمرة، إذ تنتشر الرشى والمحسوبيات في المجتمع، وهذه تؤدي بدورها إلى رفع الأسعار، إذ تُضاف مبالغ الرشاوى التي يدفعها المستثمرون إلى التكاليف النهائية للمشروع أو المنتجات، ما يؤدي إلى رفع الأسعار وخفض العائد

اقرأ ايضاً:سوق الأسهم السعودية تدخل مرحلة جديدة

على الاستثمار.

كذلك يؤدي الفساد إلى إضعاف جودة البنية التحتية والخدمات العامة، ما يؤدي إلى الإضرار بالمشاريع الحكومية ورفع كلفتها، من خلال أعمال الصيانة المستمرة بسبب الفساد في إنشاء المشاريع الأساسية، ما يحد من قدرة الدولة على زيادة الإيرادات ويؤدي إلى المزيد من فرض الضرائب لسد العجز في الموازنة، الذي يتسبب أيضاً بعدم قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية. ومن الآثار السلبية أيضاً إهدار موارد الدولة أو على أقل تقدير سوء استغلالها بما يعدم الفائدة المرجوة من الاستغلال الأمثل، وكذلك هروب الاستثمارات سواء الوطنية أو الأجنبية لغياب حوافزها والإخلال بالعدالة التوزيعية للدخول والموارد وإضعاف الفعالية الاقتصادية وازدياد الهوة بين الفئات الغنية والفقيرة وإضعاف الإيرادات العامة للدولة نتيجة التهرب من دفع الجمارك والضرائب والرسوم باستخدام الوسائل الاحتيالية والالتفاف على القوانين، ومن التأثير السلبي لسوء الإنفاق العام لموارد الدولة عن طريق إهدارها في المشاريع الكبرى بما يحرم قطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم والخدمات من الاستفادة من هذه الموارد وتدني كفاءة الاستثمارات العامة وإضعاف مستوى الجودة في البنية التحتية العامة بفعل الرشاوى التي تدفع للتغاضي عن المواصفات القياسية المطلوبة.

اقرأ ايضاً:5 نصائح لتصبح أفضل مدير تنفيذي!

ولا يقتصر أمر الفساد على الآثار السلبية على الاقتصاد، بل يمتد ليشمل المجتمعات بحد ذاتها، فيؤدي إلى انهيار النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الكراهية بين طبقات المجتمع وفئاته، نتيجة عدم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، هذا عدا عن تأثيره على المنظومة الأمنية التي تؤدي بدورها إلى هدم السلم الاجتماعي واستقرار المجتمعات.

ولمعرفة المزيد عن آثار انتشار الفساد في المجتمعات وتداعياته، التقت «صانعو الحدث» مع موكوند بهاتناغار، الشريك في شركة الاستشارات الإدارية الدولية «إيه تي كيرني»، وسألناه بداية عن الآثار الاقتصادية للفساد المالي والمضاعفات الاستثمارية لهذه الظاهرة في البلدان التي تعاني من مستويات فساد عالية؟ وكيف يشكل الفساد عائقاً أمام النمو الاقتصادي؟ وما هي الخسائر المتوقع أن تنجم عن الفساد؟ فقال:

«تعتبر مستويات الفساد المالي متوسطة إلى منخفضة نسبياً في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تحتل دولة الإمارات العربية المتحدة مكانة بين الدول الـ50 الأولى في مؤشر مدركات الفساد. لكن ثمة حاجة إلى المزيد من الشفافية في التعاملات المالية ضمن الدول الخليجية، إذ تعزا عوامل مدركات الفساد بالدرجة الأولى إلى الافتقار إلى الشفافية في مزاولة الأعمال والمنظومات القانونية المعقدة والازدواجيات التي تنطوي عليها، فضلاً عن تدني مستوى الانفتاح على المساءلة العامة، ما قد يؤدي إلى انخفاض الاستثمارات في المنطقة، ولا سيما الأجنبية المباشرة. ويثني هذا الواقع الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة والشركات القائمة على الابتكار عن الانطلاق بمشاريعها في المنطقة، وتتحفظ البنوك على الإقراض بكل حرية، مع مطالبتها بمزيد من الضمانات والوثائق بهدف التعامل مع هذه المخاطر، ما يعود إجمالاً بأثر سلبي على النمو الاقتصادي وجهود التنويع الاقتصادي ومعدلات التوظيف في دول

مجلس التعاون».

اقرأ ايضاً:5 نصائح لتتملك عقارك في دولة الإمارات

أطلقت بعض الدول الخليجية حملات لمكافحة الفساد منذ فترة طويلة، فهل تجدي هذه الحملات نفعاً؟ وما هي سبل مكافحة الفساد في المنطقة؟ موكوند بهاتناغار، معلقاً على ذلك:

«من الأهمية لدول مجلس التعاون الخليجي أن تركز على المنهجيات المؤسسية لمكافحة الفساد، إذ يجب ألا يقتصر دور القوانين على كونها رادعاً للفساد، وإنما تسهم أيضاً في إيجاد الإطار الصحيح لتجنب الأزمات المحتملة. وبالتأكيد تعتبر الجهود التي تبذلها الدول الخليجية حديثاً، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، موضع تقدير وننظر إليها بإيجاب، لا سيما إن ترافقت مع تعزيز مستمر للشفافية بما يسهم في تقليص الفساد وإرساء أسس أكثر رسوخاً للمستقبل».

لكن هل يختلف شكل الفساد في القطاع الخاص عنه في القطاع العام؟ وكيف يؤثر ذلك في الشركات؟ موكوند بهاتناغار، من جديد:

«يعود الفساد في كل من القطاعين بالآثار السلبية ذاتها. لذا يجب تطبيق قوانين مكافحة الفساد بشكل متساوٍ على القطاعين العام والخاص بهدف رفع ثقة العامة والشركات بالنظام والحد من حالات

الفساد الفعلية».

اقرأ أيضاً:ما جديد عملية تشغيل محطات براكة للطاقة النووية السلمية في الامارات؟

وعن التحديات التي تعيق جهود حكومات المنطقة في مكافحة الفساد، قال بهاتناغار:

 «قد تتسبب جهود مكافحة الفساد ببعض التعقيدات على المدى القصير، لذا يتطلب النجاح المستقبلي على هذا الصعيد وجود إرادة سياسية قوية لتطبيقها مع ضمان سوية عالية من الشفافية».

وأخيراً، يصف موكوند بهاتناغار جهود مكافحة الفساد في دول مجلس التعاون، فيقول:

«من الواضح من دون شك أن دول مجلس التعاون الخليجي مدركة تماماً لأهمية توفير بيئة خالية من الفساد لضمان النمو والازدهار الاقتصادي على المدى البعيد، وتلاقي جهودها ترحيباً من قبل الشركات والناس عموماً. لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذه الجهود يجب أن تكون متواصلة بطبيعتها، وتتطلب التزاماً طويل الأمد من قبل القيادات في هذه الدول».



شاركوا في النقاش
المحرر: Nisrine Mekhael