الرمال المتحركة في القطاع المصرفي الخليجي

بقلم عثمان البصري

دبي، «صانعو الحدث»

تشهد دول الخليج العربي موجة مرتفعة من اندماج البنوك بوتيرة سريعة لم تشهدها هذه الدول من قبل. ففي خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، كانت تطالعنا عناوين الصحف كل يوم عن اندماج بنكين أو أكثر في كل عاصمة خليجية، وهذا ما يدفعنا في هذه المقالة إلى استكشاف الأسباب الكامنة في هذه الاتجاهات السائدة في قطاع البنوك والتساؤل عما إذا سنشهد مزيداً من هذه الاندماجات.

اقرأ ايضاً:صفقات مذهلة وجوائز سحب مغرية في “هوليداي شوبر”

الرمال المتحركة

تقف خلف هذه الموجة من نشاط اندماج البنوك الخليجية خلفية مليئة بالتحديات ومرتبطة بالاقتصاد الكلي. فقد انخفضت ودائع القطاع العام نظراً إلى تأثر الموارد المالية الحكومية بـ«المعدل الجديد» في أسعار النفط. وأعيد تقويم موازنات دول مجلس التعاون الخليجي، ووُضعت قيود على الإنفاق العام، وفُرضت أنظمة متشددة على البنوك. وقد أسفرت كل تلك العوامل عن إنشاء بيئة تشغيلية جديدة للبنوك في كامل القطاع البنكي.

ولا يمكن أن نغفل في هذا المجال عن التباطؤ في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، مصحوباً بانخفاض الودائع وتناقص فرص الإقراض، ما أثر سلباً في نتائج بعض البنوك. وواجهت البنوك ضغوطاً ناجمة عن ارتفاع تكاليف الامتثال في ظل المعايير المحاسبية الجديدة والتغيرات التكنولوجية السريعة وإدخال ضريبة القيمة المضافة.

في وسط هذه التحديات، سعت مجالس إدارة البنوك إلى تحسين كفاءة بنوكها، فكانت الاندماجات والجهود المشتركة التي يمكن أن تنتجها هذه الاندماجات أحد تلك الحلول.

اقرا ايضاً:مشاركة واسعة في منتدى “كونيكت” الشرق الأوسط والهند وأفريقيا في دبي

«غارقة بالبنوك»

تضم دول مجلس التعاون الخليجي ما قدره 70 بنكاً مسجلاً لتقديم القروض بالإضافة إلى الكثير من البنوك الدولية تتنافس في ما بينها لخدمة ما قدره  51 مليون نسمة، ما جعل البعض يصف منطقة الخليج ككل بأنها «غارقة بالبنوك».

ونشهد هذه الظاهرة خصوصاً في دولة الإمارات العربية المتحدة نظراً إلى وجود أكثر من 45 مؤسسة مالية وسوق مجزأة للغاية حيث تمتلك بضعة مصارف كبيرة ما يزيد عن 50% من الأصول المصرفية لدولة الإمارات.

وقد تكيف هؤلاء اللاعبون الكبار عموماً مع عصر انخفاض أسعار النفط الخام واستأنفوا مسارات نموهم مع تحسينات في البدء وانخفاض في الأضرار. وقد ساهم الدعم السيادي القوي ونسب رأس المال العالية وتحسن التغطية الائتمانية المبنية على المعرفة، إلى جانب الإدارة الأكثر فاعلية للمخاطر، في ضمان استمرار هؤلاء المقرضين البارزين بتحقيق الأرباح بالرغم من التباطؤ.

ومن المنتظر أن تستمر هيمنة هؤلاء المقرضين، فضلاً عن أن الإعلان عن اندماج ثلاثي بين بنك أبوظبي التجاري وبنك الاتحاد الوطني ومصرف الهلال في يناير 2019 يتبع خطى بنك أبو ظبي الأول، ويزيد حجة اكتساب اللاعبين الأصغر على نطاق أكثر فاعلية للتنافس من خلال السعي إلى العثور على شريك للاندماج معه.

الصورة في المملكة العربية السعودية

بالرغم من الرياح المعاكسة، تمتلك المملكة العربية السعودية نظاماً مصرفياً متيناً يتمتع برأس المال المرتفع. ويعد القطاع المصرفي السعودي فريداً من نوعه حيث يعمل 12 مصرفاً محلياً في أكبر اقتصاد في دول الخليج، مع عدد فروع لكل فرد تُعتبر من الأقل في منطقة الخليج.

في حين لم يكن الاندماج في طليعة المخاوف في السعودية، المساهمات المشتركة في بعض البنوك قد سهلت من مفاوضات الاندماج. وتتميز أحدث عملية دمج مقترحة بين مصرفين كبيرين في المملكة العربية السعودية بتوافر عدة مساهمين استراتيجيين مشتركين، ما يجعل الارتباط أكثر جدوى. وفي حال نجاح هذه العملية، ستخلق مقرضاً بحصة سوقية تبلغ 29% ، وهي تأتي على خلفية عملية دمج كل من البنك السعودي البريطاني والبنك الأول والتي تم الإعلان عنها في العام 2018.

وعلى الرغم من عدد المشغلين في المملكة، سيزيد الدمج من قوة البنوك ويساعدها في الاستفادة من فرص النمو المشمولة في استراتيجية الرؤية للعام 2030.

اقرأ ايضاً:نظرة إلى القطاع المصرفي في دولة الإمارات العربية المتحدة في العام 2018

المشهد الأوسع

تدفع المخاطر المالية الدول الأعضاء الأخرى في مجلس التعاون الخليجي إلى القيام بمثل هذه التغييرات، وخصوصاً في سلطنة عمان ومملكة البحرين. وتمتلك هاتان الدولتان مصدات مالية أقل مقارنةً بالدول الأخرى، علماً أن البحرين غارقة بالبنوك أكثر من دولة الإمارات العربية المتحدة. أما في عُمان، فقد ظهرت النتائج من خلال المناقشات بين مقرضين يسعيان إلى إنشاء جهة مدمجة تمتلك أصولاً بقيمة 20 بليون دولار.

ولم تقتصر مناقشات الاندماج على الامتيازات المحلية فحسب، بل تناولت عمليات الدمج عبر الحدود. فيجري البنك الأهلي المتحد في البحرين حالياً محادثات لصفقة مع بيت التمويل الكويتي ستنشئ من جرائها مقرضاً إسلامياً جديداً يمتلك أصولاً بقيمة 92 مليار دولار.

البنوك الإسلامية

لقد كان المقرضون وفقاً للشريعة الإسلامية أبطأ في التفاعل مع موجة الاندماج حيث تم تسجيل آخر اندماج مصرفي إسلامي كامل في العام 2013 عندما تمت عملية دمج ثلاثة مصارف إسلامية في البحرين.

لكن المقرضين الإسلاميين يتمتعون بوضعية جيدة بشكل خاص في عمليات الدمج، مع تمتعهم بمجال أوسع للقيام بالمزيد من هذه العمليات. وتميل هذه البنوك لأن تكون أصغر حجماً، وعليها أن تعمل بجهد أكبر لتنافس البنوك التقليدية الأكبر حجماً. ويمكن ذلك أن يؤدي إلى الإعلان عن عمليات الدمج. في منطقة الخليج، تمتلك أبرز أربعة مصارف أصولاً بقيمة أكبر من قيمة الأصول المدمجة لكل البنوك الإسلامية في هذه المنطقة. ويمكن هذه البنوك أن تستفيد كثيراً من عمليات الدمج  في محاولة لمعادلة الكفتين في الميدان.

اقرأ ايضاً:ألتيريكس: لتحفيز قطاع تحليل البيانات في الشرق الأوسط

قصص النجاح

لقد أظهرت عمليات الدمج الماضية في المنطقة الكثير من الحسنات، ومن المرجح أن تدفع البنوك الأخرى إلى تقييم الفرص لاكتساب الحجم. ولقد شكل أول اندماج مصرفي في الإمارات العربية المتحدة جرى في العام 2007 بين بنك الإمارات الدولي وبنك دبي الوطني ليصبح بنك الإمارات دبي الوطني مخطط اندماج إقليمياً للقطاع مع إنشاء مقرض عظيم يتمتع بالحجم والقوة اللازمين للمنافسة بفاعلية في سوق حيوية.

كذلك، أنشأت عملية الدمج المتميزة بين بنك أبوظبي الوطني وبنك الخليج الأول في العام 2017 أكبر بنك في دولة الإمارات (بنك أبوظبي الأول) حيث وصل سعر سهم البنك إلى أعلى رقم في خلال خمس سنوات في فبراير 2019، ومن المتوقع توليد وفورات ناتجة عن الجهود المشتركة من خلال تقليص شبكات الفروع وتقنين تكاليف التمويل والتخلص من المناصب المكررة.

وأدى الحجم المحقق من خلال عمليات الدمج إلى تحسين إدارة السيولة وتعزيز الربحية وتقليل حالات عدم الكفاءة مع تحسن نسب التكلفة إلى الدخل. وقد حصلت هذه المؤسسات على انتشار عالمي أوسع، وهي الآن في وضعية أفضل لخدمة الشركات الإماراتية ذات الطموحات العالمية بالإضافة إلى الشركات الدولية العاملة في الدولة.

مجال للمزيد

بالرغم من أن القطاع المصرفي الخليجي يتميز بأساساته المتينة مع زيادة صمود المقرضين المهيمنين أمام قوى السوق ونوعية الأصول المتغيرة، إلا أن المشهد التنافسي والخلفية المرتبطة بالاقتصاد الكلي وتعديل الأنظمة والسلوك المتغير للمستهلكين سيكون لها أثر بليغ خصوصاً على المقرضين المتوسطي الحجم والمقرضين الأصغر حجماً، وتبقى حالة تعزيز الاندماج مقنعةً.

ولا تزال أجزاء من هذه الأسواق في دولة الإمارات والبحرين جاهزة لإعادة هيكلة جذرية. وقد يجد المقرضون الأصغر حجماً أو المكافحون الذين يعجزون عن إنماء قاعدة ودائعهم ويمتلكون قدرة أقل على دخول أسواق رأس المال للحصول على رأس مال جديد أنفسهم منجرفين بعيداً بفعل موجة الاندماج هذه، ويتنافسون لأجل البقاء في هذا المشهد المصرفي الجديد. في هذا السياق، نتوقع أن نسمع المزيد من إعلانات الاندماج وأن يكون موضوع الاندماج والاستحواذ على رأس جداول الأعمال في قاعات الاجتماع.



شاركوا في النقاش
المحرر: Nisrine Mekhael