حرب كلامية بين الكبار.. تسبق الحرب التجارية العالمية
  • مصدر الصورة عالمي

هل بدأت الحرب التجارية العالمية؟ جميع الدلائل والمؤشرات والتصريحات تقودنا إلى أننا أمام حرب تجارية عالمية وأن شرارتها قد انطلقت بالفعل.. فما أن انفضت القمة التي جمعت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، في كندا، حتى طفت الخلافات الكبرى على السطح، واندلعت “حرب” كلامية بين الولايات المتحدة من جهة، وباقي دول المجموعة من جهة أخرى.. “حرب” أججتها تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وزاد من سعيرها تغريداته على تويتر. وكان ترامب قد أعلن انسحابه من تأييده للبيان الختامي الصادر عن القمة. ما دفع المستشارة الألمانية، انجيلا ميركل إلى القول بأن انسحابه من تأييد البيان الختامي أمر “مقلق للغاية ومحبط”.

إقرأ أيضاً: الحرب التجارية العالمية.. ترامب يشعل فتيلها!

وانتقد ترامب بشدة رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، واتهمه بـ “سيئ النية”. وكان رئيس الوزراء الكندي انتقد في مؤتمر صحفي، عقب انتهاء القمة، قرارات ترامب بفرض رسوم جمركية على واردات الصلب والألومنيوم من كندا والمكسيك ودول الاتحاد الأوروبي، ما أجج الخلافات بين هذه الدول من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وأشعل فتيل الحرب التجارية العالمية، وتعهد رئيس الوزراء الكندي في مؤتمره بأنه سيتم اتخاذ إجراءات مماثلة ضد واشنطن بحلول الأول من يوليو المقبل. وقال في رده على تصريحات ترامب: “الكنديون حكماء ولطفاء، ولكنهم لا يرضون بأن يملي عليهم الآخرون تعليمات”.

إقرأ أيضاً: هل أساءت أبراج فعلاً استخدام أموال المساهمين؟

وكان ترامب قد “غرد” على تويتر “إن كندا تفرض رسوماً كبيرة على مزارعينا وعمالنا وشركاتنا”، ما دفع وزيرة الخارجية الكندية إلى الرد قائلة: إن تبريرات ترامب بشأن فرض رسوم إضافية على صادرات كندا من الصلب والألمونيوم “سخيفة، وتمثل إهانة كبيرة لجميع الكنديين”.

من جهتهم، بدا الغضب ايضاً على بقية أعضاء مجموعة السبع إذ قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن التعاون “الدولي لا يمكن أن يكون رهناً لنوبات غضب وتصريحات متسرعة”. وأضاف “نحن عندما نقدم تعهدات يجب أن نلتزم بها، يجب أن نكون جديرين بثقة شعوبنا”.

إقرأ أيضاً: تعلّموا من فشل الشركات الناشئة وليس من نجاحها فحسب

هذه التطورات، دفعتنا في “صانعو الحدث” إلى التساؤل هل بدأت الحرب التجارية العالمية بالفعل؟، وتوجهنا إلى السيد فيجاي فاليشا، مدير المخاطر المالية كبير محللي السوق في شركة العصر للوساطة المالية، لنأخذ رأيه ونقف على حقيقة الموضوع، يقول السيد فاليشا:

قالها مارك توين: “التاريخ لا يعيد نفسه أبدًا ولكنه يتشابه في تناغم”.. ويبدو أن الجنس البشري لا يتعلم أبدًا من أخطائه التاريخية. كان انهيار سوق الأسهم في عام 1929م سببه قانون سموت هاولي، الذي رفع التعريفة الجمركية لعشرات الآلاف من المنتجات، مما أدى إلى تدهور التجارة العالمية بنسبة 66 بالمئة في عام 1934م، من مستوى 1929م، وإغراق الاقتصاد العالمي في الكساد. واليوم، تبدو أوجه الشبه مع عام 1929م مخيفة للغاية؛ مع قول ترامب: “إن الحروب التجارية جيدة”.

إقرأ أيضاً: العقارات التجارية في الكويت ترتفع إلى مستويات قياسية

لم تعد مناقشات الحرب التجارية تقتصر على استوديوهات القنوات الإخبارية أو أعمدة الصحف التجارية. فقد أصبحت الآن رسمية وأكثر شخصنة، ومليئة بالعجرفة في ظل تحدي ترامب حرفيًا للعالم كله. فهذا هو السيناريو الحلم للرئيس ترامب، الذي يحب أن يتصور نفسه مصارعًا يقاتل من أجل الرجل الأمريكي العادي. نعم بالفعل، فهذا يساعده على تحسين شعبيته في الوقت المناسب لانتخابات منتصف المدة في نوفمبر.

بدأ كل هذا بفرض ترامب تعريفةً بنسبة 25 بالمئة على الصلب المستورد و10 بالمئة على الألومنيوم الذي يعبر الحدود الأمريكية.  كندا هي أكبر مصدر للصلب، تليها البرازيل وكوريا الجنوبية، في حين تمثل الصين رابع أكبر مصدر للألمنيوم الأجنبي لأمريكا. أعلن الاتحاد الأوروبي من جانبه ردًا على ذلك عن خطط للتعريفات الانتقامية بقيمة 2.8 مليار يورو على واردات الولايات المتحدة، والتي تشمل زبدة الفول السوداني والجينز الأزرق والتوت البري وغيرها، ومن المرجح إتمام هذه الخطط بحلول شهر يوليو. كما حذرت الصين من إمكانية انضمامها للحرب التجارية، ولكن حتى الآن لا يوجد رد فعل شديد من جانبهم. غير أن المفاوضات بين الصين والولايات المتحدة انهارت؛ حيث تفيد التقارير بأنها لن تقبل بالمطالب الأمريكية مثل وقف الدعم للصناعات التي استهدفها الرئيس شي جين بينغ لتحمل توقيع “صنع في الصين عام 2025م” وذلك لتعزيز قطاع التكنولوجيا لديها. في الواقع، وصفت الصين بعض هذه المطالب بأنها غير عقلانية. ومع ذلك سيكون من الصعب على الصين تبرير فائضها التجاري السنوي مع الولايات المتحدة والذي يبلغ 275.8 مليار دولار.

إقرأ أيضاً: كأس العالم لكرة القدم 2018 عدو الإنتاج!

شهد اجتماع مجموعة السبع (G7) والذي عقد مؤخراً في كيبيك – كندا الكثير من الشجار حتى قبل بدء الاجتماع. حيث تصاعدت التوترات بعد أن وصف الرئيس الفرنسي ماكرون السياسات التجارية للولايات المتحدة بأنها هيمنة، وذهب إلى القول إن ست دول من دول مجموعة السبع دون الولايات المتحدة لديها اقتصاد أكبر مجتمعة من أمريكا وحدها. كما ردد رئيس الوزراء الكندي ترودو نفس المشاعر. ورد الرئيس ترامب بقسوة، متهمًا أوروبا وكندا بتشويه الوقائع ونهب الاقتصاد الأمريكي من خلال التعريفات التجارية الضخمة والحواجز التجارية غير النقدية. وقد برزت الخلافات في الصدارة، حيث واجه زعماء مجموعة السبع الباقون ترامب مواجهةً موحدة، وقدمت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل توبيخًا حادًا لترامب بشأن سياساته التجارية. وقد توج الاجتماع بخروج ترامب من القمة مبكرًا، واتهامه رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بالضعف وعدم الأمانة. على العموم، يبدو أن العالم يتجه نحو مواجهة سيئة.

الخلاف بين الولايات المتحدة وكندا: هل يقوم على الحقائق؟

إن فرض ترامب لتعريفة على كندا مشيرًا إلى القسم 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962م، الذي يتناول الأمن القومي، يبدو غير منطقي. فإضافة إلى كونها واحدة من أكثر حلفاء الولايات المتحدة العسكريين ثباتًا، فإن كندا لديها أيضاً علاقة اقتصادية مزدهرة مع جارتها الجنوبية. في عام 2017م، كانت كندا ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة بعد الصين، حيث بلغ إجمالي تجارتها 675 مليار دولار، وتمتعت الولايات المتحدة بفائض قدره 8.5 مليار دولار. حققت التجارة في الخدمات وحدها فائضًا قدره 26 مليار دولار للولايات المتحدة، وتمثل صادراتها إلى كندا أكثر من المجموع المشترك لصادرتها إلى الصين واليابان والمملكة المتحدة.  وقد أسفرت العلاقة التجارية بأكملها عن خلق فرص عمل أمريكية قُدِّرت بمليوني وظيفة مباشرة و9 ملايين وظيفة غير مباشرة. كما تأتي كندا كثاني أكبر مستثمر أجنبي في أمريكا بعد المملكة المتحدة باستثمارات في الأسهم تبلغ 453 مليار دولار. تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا علاقة متوازنة، ومن غير المعقول أن تفتعل الولايات المتحدة معركة مع جارتها السلمية.

إقرأ أيضاً: فيسبوك يعترف: حسابات 14 مليون مستخدم تعرضت لخلل

يميل السياسيون إلى إلقاء اللوم على الممارسات التجارية في البلدان الأخرى فيما يخص العجز التجاري. ومع ذلك، فإن أحد أكثر أسباب العجز التجاري شيوعًا هو عدم التوازن في معدلات الادخار والاستثمار، وعجز الميزانية الحكومية الكبير والاقتصاد المتنامي. ويتجلى ذلك أكثر بصورة واضحة في حالة الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث معدل الادخار منخفض للغاية عند 3.10 بالمئة، بينما ينفجر عجز الميزانية بعد صفقة خفض الضرائب. في الواقع، فإنه من المتوقع تجاوز عجز ميزانية الحكومة الأمريكية 1 تريليون دولار في عام 2020م، أي مستبقًا التقديرات بعامين. ولتقليل العجز التجاري، يتعين على الولايات المتحدة إجبار مستهلكيها من مدمني بطاقات الائتمان على توفير المزيد، وعلى الحكومة خفض نفقاتها المتضخمة في مجالات مثل الدفاع والرعاية الصحية.  كلاهما انتحاران سياسيان، ومن غير المفاجئ أن يفضل القادة المنتخبون مشاهد الحروب التجارية، حتى وإن مثلت انتحارًا اقتصاديًا.



شاركوا في النقاش
المحرر: osama