حرب النفط السعودية – الأمريكية: حلان أحلاهما مر
في شهر مايو ستجتمع الأوبك مجدداً لاتخاذ قرار تمديد أو وقف خفض الإنتاج في شهر يونيو

بعد فترة من الارتفاع المتواصل، عادت أسعار النفط يوم أمس للهبوط إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاثة أشهر، فيما تدخل حرب النفط السعودية  -الأمريكية في مرحلة جديدة.

يقول أولي هانسن رئيس قسم استراتيجيات السلع لدى ساكسو بنك، في مقابلة مع موقع صانعو الحدث، “شهدت حركة المبيع نشاطاً كبيراً يوم الأربعاء بعد الأنباء المتداولة حول إبلاغ المملكة العربية السعودية لمنظمة ’أوبك‘ بنيتها رفع الإنتاج لأكثر من 10 مليون برميل يومياً خلال شهر فبراير. وفي خطوة غير معتادة، كشفت وزارة الطاقة السعودية عن تخزين كمية الإنتاج الزائدة، وأعلنت التزامها بالاتفاقية مع ’أوبك‘. وشهد السوق نتيجة لذلك ارتفاعاً حاداً، الأمر الذي يمكن أن يساهم في إيجاد أرضية تحمي من هبوط الأسعار. كما أظهر هذا الحدث الاعتماد المفرط لاتفاقية ’أوبك‘ الحالية على المملكة العربية السعودية، حيث تساهم المملكة في حصة أكبر من المتفق عليه. وسيكون لأي قلق تبديه المملكة بشأن عدم التزام الجهات المنتجة الأخرى بالحصص المتفق عليها انعكاسات سلبيةً على السوق.”

زيادة انتاج النفط السعودي تثير التساؤلات والرعب

وكانت منظمة الأوبك قد أعلنت يوم أمس عن ارتفاع في انتاج النفط الخام العالمي، مدفوعاً بزيادة انتاج المملكة العربية السعودية إلى أكثر من 10 مليون برميل يومياً في فبراير، على الرغم من قرار خفض الإنتاج الذي اتخذته الأوبك في نهاية العام الماضي 2016.  هذه الأنباء أعادت الخوف إلى المستثمرين الذين سارعو إلى البيع، ما تسبب بهوبط حاد في الأسعار.

الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط في الشهرين الأخيرين، أعاد الحياة في العديد من شركات الإنتاج الأمريكية الصغيرة، التي خرجت من المنافسة خلال فترة انخفاض الأسعار، بسبب استراتيجية المملكة العربية السعودية لإخراج اللاعبين الصغار من السوق بين عامي 2014 و2015.

من ناحية أخرى لم تلتزم العديد من الدول باتفاقية خفض الإنتاج الأمر الذي كبح المكاسب النفطية.  ووفقاً لتقرير الأوبك، ضخ أعضاء المنظمة 31.95 مليون برميل في اليوم خلال شهر فبراير، بتراجع بلغ 139500 برميل في اليوم عن شهر يناير. هذا المعدل يبقى دون المستوى المتفق عليه في منظمة الأوبك عند 32 مليون برميل في اليوم.

ويعلق هانسن،   “ما زال خام برنت عالقاً ضمن النطاق 50-60 دولار للبرميل مع وجود احتمال للهبوط على المدى القصير، وكنّا قد أكّدنا مراراً منذ ديسمبر بأن مخاطرة وصول السعر إلى 50 دولار قبل 60 دولار كانت في أعلى مستوياتها، وهو افتراض مبني على طبيعة مواقع المضاربة الطويلة غير المستدامة التي كانت تتخذها صناديق التحوّط. وفي الوقت الراهن، فإن ارتفاع المخزونات الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة (ولاسيما مع ازدياد إنتاج النفط الصخري) يشكل العامل الأبرز الذي قد يؤثر سلباً على اتفاقية خفض الانتاج ضمن ’أوبك‘ وخارجها، حيث ازداد هذا الإنتاج بمقدار يفوق 500 ألف برميل يومياً بين أكتوبر وأبريل، ما عرقل اتفاقية خفض الإنتاج بدرجة ما. ونرى بأن احتمال الهبوط على المدى القصير يبقى محدوداً بالمستوى 45 دولار للبرميل، لذا نحافظ على رأينا بأن تداول النفط سيكون متمحوراً حول المستوى 60 دولار للبرميل مع نهاية العام الجاري، وسيكون ذلك كنتيجة لنجاح الجهود العالمية الهادفة إلى خفض المخزونات من أعضاء ’أوبك‘ وغير أعضائها على حد سواء.”

نفط الخام الأمريكي يتزايد ليحد من المكاسب 

في المقابل، استمر انتاج النفط الخام الأمريكي بالنمو ضمن مستويات ثابتة، ليصل إلى ما يزيد عن 9 مليون برميل في شهر فبراير وفقاً لإدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة، فيما تضاعف عدد الحفارات  منذ شهر مايو من العام 2016.

ويقول هانسن، “على المدى القصير إلى المتوسط، يبقى أفضل سعر قد تطمح إليه المملكة (ونظراؤها من أعضاء ’أوبك‘) منحصراً ما بين 50 إلى 60 دولار للبرميل، علماً أن التهديد الأكبر لأسعار النفط على المدى القصير يتمثل في تحسن إنتاج النفط الصخري الأمريكي؛ حيث ازداد الإنتاج النفطي الأمريكي على مدى الأشهر الستة الماضية بمقدار 500 ألف برميل يومياً، ويبدو أن هذا التوجه سيتواصل، وقد يكتسب مزيداً من التسارع حتّى في حال ارتفاع سعر النفط فوق 60 دولار للبرميل.”

لمواجهة الحفارات الأمريكية، سيكون على الأوبك  والمملكة العربية السعودية الاختيار بين حلين، أحلاهما مر.

الحل الأول المطروح هو العودة إلى استراتيجية العام 2014 والهبوط بأسعار النفط  ما يلحق الخسارة بالإنتاج الأمريكي. وسيكون على الدول الخليجية المعتمدة على النفط تحمل فترة جديدة من تراجع العوائد من القطاع.

لتتمكن السعودية من إخراج اللاعبين الصغار في الولايات المتحدة الأمريكية من السوق، ستضطر إلى خفض أالأسعار إلى حوالي 30 دولار أو ما دون ذلك وفقاً لما قالته كاثيرن ريتشارد، الرئيسة التنفيذية في شركة وورويك لاستثمارات الطاقة، في تصريح لوكالة بلومبرغ.

من ناحية أخرى يرى هانسن، “خلال الأشهر الثلاثة إلى الستّة الماضية كان المنتجون الأمريكيون نشطين في بيع الإنتاج المستقبلي، وهو ما قد يزوّدهم بوسادة تحميهم من هبوط الأسعار في الآونة الأخيرة، لاسيما أن ذلك يضاف إليه انهيار سعر التعادل منذ 2014. ونرى بأن إنتاج النفط الأمريكي لن يتضرر من انخفاض الأسعار إلّا في حال تراجعت إلى 40 دولار للبرميل وبقيت عند هذا المستوى لفترة مطوّلة.”

الحل الثاني هو أن تخفض الأوبك انتاجها النفطي أكثر لترفع الأسعار، ولكن لتتمكن من تحقيق ذلك عليها أولاً أن تحصل على دعم الدول الأخرى المنتجة للنفط من الأوبك وخارجها، مثل إيران والعراق وروسيا. وحتى في هذه الحالة، قد تتمكن الشركات الأمريكية من الصمود، ويتابع، “نجحت الشركات الأمريكية العام الماضي في التعامل مع أسعار اعتقد الكثيرون بأنها قد تؤدي إلى إفلاس القطاع، ومن هذا المنطلق نرى بأنها ستكون قادرة على مقاومة الهبوط الحالي إذا لم يتحوّل إلى انحدار سريع نحو القاع، وهو أمر مستبعد بنظرنا، علماً أن حدوث سيناريو كهذا سيتسبب بضرر كبير للملكة العربية السعودية، إذ ستتقلص المخزونات وقد يغدو الاكتتاب العام الأولي لـ’آرامكو‘ موضع سؤال نظراً للتغييرات التي ستطرأ على التثمينات.”

ربما يكون الحل الثاني هو الأمثل، ولكنه ليس مرجحاً، ففي الأسبوع الماضي حذر وزير الطاقة السعودي خالد الفالح خلال التحدث في مؤتمر لقطاع النفط في هيوستن، أن المملكة لن تتحمل عبئ المكاسب المجانية للآخرين، إذ ما زالت روسيا والعراق لم تلتزم بإتفاقية خفض الإنتاج.

ينتظر أن ينعقد في الكويت يوم 26 من الشهر الحالي اجتماع وزاري للدول الأعضاء وغير الأعضاء في منظمة الأوبك لمراجعة نسب الامتثال باتفاقية الإنتاج. وفي شهر مايو ستجتمع الأوبك مجدداً لاتخاذ قرار تمديد أو وقف خفض الإنتاج في شهر يونيو، حينها ستتضح الاستراتيجية السعودية، ومصير أسعار النفط.

إقرأ أيضاً: بالأرقام: رؤية السعودية 2030 والتحول من الاعتماد على النفط إلى الاستثمار



شاركوا في النقاش
المزيد من أعمال